لسان الدين ابن الخطيب

294

الإحاطة في أخبار غرناطة

ويا مسرّين للإخوان غائلة * ومظهرين وجوه البرّ والرّحب ما كان ضرّكم الإخلاص لو طبعت * تلك النفوس على علياء أو أدب أشبهتم الدّهر لمّا كان والدكم * فأنتم شرّ أبناء لشرّ « 1 » أب عبد اللّه بن سعيد بن عبد اللّه بن سعيد بن أحمد ابن علي السّلماني « 2 » والد المؤلف ، رضي اللّه عنه ، يكنى أبا محمد ، غرناطي الولادة والاستيطان ، لوشي الأصل ، ثم طليطليّه ، ثم قرطبيّه . أوليته : كان سلفه يعرفون بقرطبة ببني وزير ، وهم بها أهل نباهة ، وبيتهم بيت فقه وخيريّة وماليّة ، ونجارهم نجار فرسان يمانيّة . ولمّا حدث على الحكم بن هشام الوقيعة الرّبضيّة ، وكان له الفلج ، وبأهل الرّبض الدّبرة ، كان أعلام هذا البيت من الجالية أمام الحكم ، حسبما امتحن به الكثير من أعلام المشيخة بها ، كالفقيه طالوت ، ويحيى بن يحيى ، وغيرهما « 3 » ، ولحقوا بطليطلة ، فاستقرّوا بها ، ونبا بهم وطنهم ، ثم حوّموا على سكنى الموسّطة ، وآب إلى قرطبة قبلهم بعد عهد متقادم ، ومنهم خلف وعبد الرحمن ، وقد مرّ له ذكر في هذا الكتاب . وولّي القضاء بالكورة . ومنهم قوم من قرابتهم تملّكوا منتفريد « 4 » ، الحصن المعروف الآن بالمنعة والخصب ، وتمدّن فيهم ، وبنيت به القلعة السّامية ، ونسب إليه ذلك المجد ، فهم يعرفون ببلدنا ببني المنتفريدين . واستقرّ منهم جدّنا الأعلى بلوشة خطيبا وقاضيا بالصّقع ومشاورا « 5 » ، وهو المضاف إلى اسمه التّسويد بلوشة عرفا كأنه اسم مركّب ، فلا يقول أحد منهم في القديم إلّا سيّدي سعيد . كذا تعرّفنا من المشيخة ، وإليه النّسبة اليوم ، وبه يعرف خلفه ببني الخطيب ، وكان صالحا فاضلا ، من أهل العلم والعمل . حدّثني الشيخ المسنّ أبو الحكم المنتفريدي ، وقد وقفني على جدار برج ببعض أملاكنا بها ، على الطّريق الآتية من غرناطة إلى لوشة ، ثم إلى غيرها ، كإشبيلية وسواها ، فقال : كان جدّك يسكن بهذا البرج كذا من فصول العام ، ويتلو القرآن ليلا ، فلا يتمالك المارّون على الطّريق ، أن يقربوا إصغاء لحسن تلاوته

--> ( 1 ) في البغية : « كشرّ » . ( 2 ) ترجمة عبد اللّه بن سعيد السلماني في نفح الطيب ( ج 7 ص 13 ) . ( 3 ) في الأصل : « وغيرهم » . ( 4 ) اسمه بالإسبانية : montefrio ، ويعني الجبل البارد . ( 5 ) المشاور : هو من كان يتقلّد خطة الشورى ، التابعة للقضاء .