لسان الدين ابن الخطيب
252
الإحاطة في أخبار غرناطة
ينفضّ في زوايا الفحص عن مثل مضطبنه ، فظنّه رئيسا من رؤساء الجند ، فقصده ورغب منه إجازة خبيئته بباب المدينة ، وقرّر لتخوّفه من ظلم الحافز الكذا مسلم ، فأخذها منه وخبّأها تحت ثيابه ، ووكّل به . ولم يذهب المسكين إلّا يسيرا ، حتى سأل عن الرجل ، فأخبر أنّه الذي فرّ عنه ، فسقط في يده . ثم تحامل ، فألفاه ينظره في داخل السور ، فدفع إليه أمانته ، وقال : سر في حفظ اللّه ، فقد عصمها اللّه من ذلك الرجل الظالم . فخجل الرجل ، وانصرف متعجّبا . وأخباره في السّراوة ونجح الوسيلة كثيرة . وفاته : توفي في عام ثمانية وتسعين وستمائة ، وشهد أميره دفنه ، وكان قد أسفّ ولي العهد بأمور صانعه فيها من باب خدمة والده ، فكان يتلمّظ لنكبته ، ونصب لثاته لأكله ، فعاجله الحمام قبل إيقاع نقمته به . ولمّا تصيّر إليه الأمر ، نبش قبره ، وأخرج شلوه ، فأحرق بالنار ، إغراقا في شهوة التّشفي ، رحمه اللّه عليه . ومن العمال الأثراء مؤمّل ، مولى باديس بن حبّوس حاله ومحنته : قال ابن الصّيرفي : وقد ذكر عبد اللّه بن بلقّين ، حفيد باديس ، واستشارته عن أمره ، لمّا بلغه حركة يوسف بن تاشفين إلى خلعه . وكان في الجملة من أحبابه ، رجل من عبيد جدّه اسمه مؤمّل ، وله سنّ ، وعنده دهاء وفطنة ، ورأي ونظر . وقال في موضع آخر : ولم يكن في وزراء مملكته وأحبار دولته ، أصيل الرأي ، جزل الكلمة ، إلّا ابن أبي خيثمة « 1 » من كتبته ، ومؤمّل من عبيد جدّه ، وجعفر من فتيانه . رجع ، قال : فألطف له مؤمّل في القول ، وأعلمه برفق ، وحسن أدب ، أن ذلك غير صواب ، وأشار إليه بالخروج إلى أمير المسلمين إذا قرب ، والتّطارح عليه ، فإنه لا تمكنه مدافعته ، ولا تطاق حربه ، والاستجداء له أحمد عاقبة وأيمن مغبّة . وتابعه على ذلك نظراؤه من أهل السّن والحنكة ، ودافع في صدّ رأيه الغلمة والأغمار ، فاستشاظ غيظا على مؤمّل ومن نحا نحوه ، وهمّ بهم ، فخرجوا ،
--> ( 1 ) أغلب الظن أنه أبو بكر أحمد بن زهير بن حرب ، المعروف بابن أبي خيثمة ، الذي ذكره ابن خير مصنّفا لكتاب تاريخ هام . فهرسة ابن خير ( ص 251 - 252 ) . راجع أيضا مذكرات الأمير عبد اللّه ( ص 158 ) ومملكة غرناطة في عهد بني زيري البربر ( ص 222 ) .