لسان الدين ابن الخطيب
25
الإحاطة في أخبار غرناطة
والسفارة للعدوة . وهو مع ذلك أقدرهم على هذا الشأن ، وأسخاهم قريحة في هذا الميدان ، وإن أتى غيره بماء أو حمأة ، أتى هو بالبحر الذي لا ساحل له . ولعمري لو قام هو بما يجب من ذلك ، لزال القدح في نسب وفاء الغير ، فعين ما نسبه من التقصير عن الحق في ذلك ، متوجّه عليه ، ولا حقّ له ، ولا يبعد عنده أن يكون وقع بينهما ما أوجب إعراضه مما يقع في الأزمان ، ولا سيما من أهل هذ الشان ، فيكون ذلك سببا في إعراض الغير مشيا في غرضه ، ومساعدة له . واللّه أعلم بحقيقة ذلك كله . محمد بن علي بن محمد البلنسي من أهل غرناطة ، يكنى أبا عبد اللّه . حاله : طالب هشّ ، حسن اللّقاء ، عفيف النشأة ، مكبّ على العلم ، حريص على استفادته ، مع زمانة أصابت يمنى يديه ، نفعه اللّه . قيّد بأختها وانتسخ ، قائم على العربية والبيان ، ذاكر الكثير من المسائل ، حافظ متقن ، على نزعة عربية من التّجاذع في المشي وقلّة الالتفات إلّا بجملته ، وجهوريّة الصوت ، متحلّ بسذاجة ، حسن الإلقاء والتقرير ، متّ للمتغلّب على الدولة بضنّ أفاده جاها واستعمالا في خطّة السوق ، ثمّ اصطناعا في الرسالة إلى ملك المغرب ، جرّ عليه آخرا النّكبة ، وقاد المحنة ، فأرصد له السلطان أبو عبد اللّه في أخرياتها رجالا بعثهم في رندة ، فأسروه في طريقه ، وقدموا به سليبا قدوم الشّهرة والمثلة ، موقنا بالقتل . ثم عطف عليه حنينا إلى حسن تلاوته في محبسه ليلا ، فانتاشه لذلك من هفوة بعيدة ونكبة مبيرة . ولما عاد لملكه ، أعاده للإقراء . مشيخته : جلّ انتفاعه بشيخ الجماعة أبي عبد اللّه بن الفخّار ، لازمه وانتفع به ، وأعاد دول تدريسه ، وقرأ على غيره . وألّف كتابا في تفسير القرآن ، متعدّد الأسفار ، واستدرك على السّهيلي في أعلام القرآن كتابا نبيلا ، رفعه على يدي للسّلطان . وهو من فضلاء جنسه ، أعانه اللّه وسدّده . محمد بن سعد بن محمد بن لب بن حسن بن حسن ابن عبد الرحمن بن بقيّ « 1 » يكنى أبا عبد اللّه ، ويعرف باسم جدّه .
--> ( 1 ) ترجمة ابن بقي في الكتيبة الكامنة ( ص 94 ) ونيل الابتهاج ( ص 279 ) طبعة فاس .