لسان الدين ابن الخطيب

151

الإحاطة في أخبار غرناطة

لا تأخذنّك في الشّديد لومة * فشخيص نشأته بفضلك قاما ربّيته علّمته أدّبته * قدّمته للفرض منك إماما فجزاك ربّ الخلق خير جزاية * عنّي وبوّأك الجنان مقاما وهو الآن بالحالة الموصوفة ، مستوطنا حضرة غرناطة ، وتاليا الأعشار القرآنية ، بين يدي السلطان ، أعزّه اللّه ، مرفّع الجانب ، معزّز الجراية بولايته أحباس المدرسة ، أطروفة عصره ، لولا طرش نقص الأنس به ، نفعه اللّه . مولده : ولد بمالقة في عاشر ربيع الأول من عام عشرة وسبعمائة . ومن الغرباء في هذا الاسم محمد بن أحمد بن إبراهيم بن محمد التّلمساني الأنصاري السّبتي الدّار ، الغرناطي الاستيطان ، يكنى أبا الحسين ، ويعرف بالتّلمساني . حاله : طرف في الخير والسلامة ، معرق في بيت الصّون والفضيلة ، معمّ « 1 » تخوّل في العدالة ، قديم الطّلب والاستعمال ، معروف الحقّ ، مليح البسط ، حلو الفكاهة ، خفيف إلى هيعة الدّعابة ، على سمت ووقار ، غزل ، لوذعي ، مع استرجاع وامتساك ، مترف ، عريق في الحضارة ، مؤثر للراحة ، قليل التّجلّد ، نافر عن الكدّ ، متّصل الاستعمال ، عريض السعادة في باب الولاية ، محمول على كتد المبرّة ، جار على سنن شيوخ الطّلبة والمقتاتين من الأرزاق المقدّرة ، أولى الخصوصيّة والضّبط من التّظاهر بالجاه على الكفاية . قدم على الأندلس ثمانية عشر وسبعمائة ، فمهد كنف القبول والاستعمال ، فولّي الحسبة بغرناظة ، ثم قلّد تنفيذ الأرزاق وهي الخطّة الشرعية والولاية المجدية ، فاتّصلت بها ولايته . وناب عنّي في العرض والجواب بمجلس السلطان ، حميد المنأى في ذلك كله ، يقوم على كتاب اللّه حفظا وتجويدا ، طيّب النّغمة ، راويا محدّثا ، أخباريا ، مرتاحا للأدب ، ضاربا فيه بسهم يقوم على كتب السّيرة النّبوية ، فذّا في ذلك . قرأه بالمسجد الجامع للجمهور ، عند لحاقه بغرناطة ، معربا به عن نفسه ، منبّها على مكانه ، فزعموا أن رجلا فاضت نفسه وجدا لشجو نغمته ، وحسن إلقائه . وقرأ التّراويح بمسجد قصر السلطان إماما به ، واتّسم بمجلسه بالسّلامة والخير ، فلم تؤثر عنه في أحد وقيعة ، ولا بدرت له في الحمل على أحد بنت شفه .

--> ( 1 ) المعمّ : الذي يعمّ القوم بالعطية ، أي يشملهم . لسان العرب ( عم ) .