لسان الدين ابن الخطيب
114
الإحاطة في أخبار غرناطة
بضاعة « 1 » البلاغة ، فلم يعبأ بهمّام وابن المراغة « 2 » . شفاء المحزون ، وعلم السّرّ « 3 » المخزون ، ما بين منثوره والموزون . والآن لا ملهج ولا مبهج ، ولا مرشد ولا منهج ، عكست القضايا فلم تنتج ، فتبلّد القلب الذّكي ، ولم يرشح القليب البكي « 4 » ، وعمّ الإفحام ، وغمّ الإحجام ، وتمكّن الإكداء والإجبال ، وكوّرت الشّمس وسيّرت الجبال ، وعلت سآمة ، وغلبت ندامة ، وارتفعت ملامة ، وقامت لنوعي الأدب قيامة . حتى إذا ورد ذلك المهرق ، وفرّع غصنه المورق ، تغنّى « 5 » به الحمام الأورق ، وأحاط بعداد عداته الغصص والشّرق ، وأمن من الغصب والسّرق ، وأقبل الأمن وذهب بإقباله الفرق ، نفخ في صور أهل المنظوم والمنثور ، وبعثر ما في القبور ، وحصّل ما في الصدور ، وتراءت للأدب صور ، وعمرت للبلاغة كور ، وهمت لليراعة درر ، ونظمت للبراعة درر ، وعندها يتبيّن « 6 » أنك واحد حلبة البيان ، والسّابق في ذلك الميدان ، يوم الرّهان ، فكان لك القدم ، وأقرّ لك مع التأخر السّابق الأقدم ، فوحقّ نصاعة ألفاظ أجدتها ، حين أوردتها ، وأسلتها حين أرسلتها ، وأزنتها حين وزنتها ، وبراعة معان سلكتها حين ملكتها ، وأرويتها حين روّأتها « 7 » وأرويتها ، وأصلتها حين فصّلتها ووصلتها « 8 » ، ونظام جعلته لجسد « 9 » البيان قلبا ، ولمعصمه قلبا « 10 » ، وهصرت حدائقه غلبا ، وارتكبت رويّه « 11 » صعبا ، ونثار « 12 » أتبعته له خديما ، وصيّرته لمدير كأسه نديما ، ولحفظ « 13 » ذمامه المداميّ أو مدامه الذّماميّ مديما ، لقد فتنتني حين أتتني ، وسبتني حين نصبتني « 14 » ، فذهبت خفّتها بوقاري ، ولم يرعها بعد شيب عذاري ، بل دعت للتّصابي فقلت مرحبا ، وحللت لفتنتها الحبا ، ولم أحفل بشيب ، وألفيت ما ردّ نصابي نصيب « 15 » ، وإن كنّا فرسي رهان ، وسابقي حلبة ميدان ، غير أنّ الجلدة
--> ( 1 ) في النفح : « نصاعة » . ( 2 ) همّام : هو الفرزدق . وابن المراغة : هو جرير بن عطية . ( 3 ) في النفح : « سرّ » . ( 4 ) في النفح : « ولم يرشح القلم الذكي » . ( 5 ) في النفح : « وتغنّى » . ( 6 ) في النفح : « تبين » . ( 7 ) في النفح : « رويتها أو روّيتها » . ( 8 ) في النفح : « أو وصلتها » . ( 9 ) في النفح : « بجسد » . ( 10 ) في الأصل : « والمعصمة قلما » والتصويب من النفح . والقلب : السوار . لسان العرب ( قلب ) . ( 11 ) في الأصل : « روية » والتصويب من النفح . وهنا يشير إلى صعوبة القافية وإن كانت همزية ، وهي غير صعبة . ( 12 ) في الأصل : « ونثارا » والتصويب من النفح . ( 13 ) في النفح : « ولحفظه » . ( 14 ) في النفح : « اطّبتني » . ( 15 ) يشير هنا إلى قول نصيب [ الوافر ] ولولا أن يقال صبا نصيب * لقلت بنفسي النشء الصغار -