لسان الدين ابن الخطيب

5

الإحاطة في أخبار غرناطة

والتودّد إليّ المرّة بعد المرّة ، واختصصت بفوت المدّة بالسلطان ، فكنت المنفرد بسرّه دونه ، ومفضي همّه ، وشفاء نفسه ، فيما ينكره من فتنة تقع في سيرته ، أو تصيّر توجيه السّذاجة في معاملاته ، وصلاح ما يتغيّر عليه من قلبه ، إلى أن لحق بربّه . شيخ الغزاة ورئيس الجند الغربي لأول أمره : أقر على الغزاة شيخهم على عهد أبيه ، أبا زكريا يحيى بن عمر بن رحّو بن عبد اللّه بن عبد الحق ، مطمح الطّواف « 1 » ، وموفى الاختيار ، ولباب القوم ، وبقيّة السلف ، جزما ودهاء ، وتجربة وحنكة وجدّا وإدراكا ، ناهيك من رجل فذّ المنازع ، غريبها ، مستحقّ التقديم ، شجاعة وأصالة ، ورأيا ومباحثة ، نسّابة قبيله ، وأضحى قسّهم ، وكسرى ساستهم ، إلى لطف السّجية ، وحسن التأنّي ، لغرض السلطان ، وطرق التّنزل للحاجات ، ورقّة غزل الشّفاعات ، وإمتاع المجلس ، وثقوب الذّهن والفهم ، وحسن الهيئة . وزاده خصوصيّة ملازمته « 2 » مجلس الرّقاع « 3 » المعروضة ، والرسّل الواردة . وسيأتي ذكره في موضعه بحول اللّه تعالى . كاتب سرّه : قمت لأول الأمر بين يديه بالوظيفة التي أسندها إليّ أبوه المولى المقدّس ، رحمه اللّه ، من الوقوف على رأسه ، والإمساك في التهاني والمبايعة بيده ، والكتابة والإنشاء والعرض والجواب ، والخلعة والمجالسة ، جامعا بين خدمة القلم ، ولقب الوزارة ، معزّز الخطط برسم القيادة ، مخصوصا بالنيابة عنه في الغيبة ، على كل ما اشتمل عليه سور القلعة والحضرة ، مطلق أمور الإيالة ، محكما في أشتاته تحكيم الأمانة ، مطلق الراية ، ظاهر الجاه والنعمة . ثم تضاعف العزّ ، وتأكد الرّعي ، وتمحّض القرب ، فنقلني من جلسة المواجهة ، إلى صفّ الوزارة ؛ وعاملني بما لا مزيد عليه من العناية ، وأحلّني المحل الذي لا فوقه في الخصوصيّة ، كافأ اللّه فضله ، وشكر رعيه ، وأعلى محلّه عنده . وأصدر لي هذا الظّهير لثاني يوم ولايته : هذا ظهير كريم ، صفي شربه . وسفّرني في الرسالة عنه ، إلى السلطان ، الخليفة الإمام ، ملك المغرب ، وما إليه من البلاد الإفريقية ، أبي عنان ، حسبما يأتي ذكره . ثم أعفاني في هذه المدة الأولى ، عن كثير من الخدمة ، ونوّه بي عن مباشرة العرض بين يديه بالجملة ، فاخترت للكلّ والبدلة ، وما صان عنه في سبيل التجلّة ، وإن كان منتهى أطوار الرّفعة ، الفقيه أبا محمد بن

--> ( 1 ) في اللمحة البدرية ( ص 116 ) : « الطرف ومرمى الاختيار » . ( 2 ) في اللمحة البدرية ( ص 117 ) : « بملازمة » . ( 3 ) في اللمحة البدرية ( ص 117 ) : « مجلس العرض وملتقى الرسل الواردة وإجالة قداح المشورة » .