لسان الدين ابن الخطيب
411
الإحاطة في أخبار غرناطة
ارج دنياك وارج مولاك واعلم * أنّ راجي سواه غير مقال وابتغاء الثواب من ربّك اعمل * فهو يجزي الأعمال بالمثقال واغتنم غيبة الرّقيب ففيها * لقلوب الرجال أيّ صقال وأحل في الوجود فكر غنيّ * عن ضروب الإنعام والأحقال وإذا الوقت ضاق وسّعه بالصّب * ر ولا تنس من شهير المقال ربما تكره النفوس من الأم * ر له فرحة كحلّ العقال لا غرو أن وقع توان ، أو تلوّم دهر ذو ألوان ، فالأمر بين الكاف والنون ، ومن صبر لم يبوء بصفقة المغبون ، وللسعداء تخصيص ، ومع التقريب تمحيص ، وما عن القضاء محيص ، والمتصرف في ماله غير معتوب ، وقديم الحقيقة إلى الحيف ليس بمنسوب . وقد ورد خطاب عمادي أطاب اللّه محضره ، وسدّد إلى المرامي العليّة نظره ، ناطقا بلسان التفويض ، سارحا من الرّضا في الفضاء العريض ، لائذا بالانقياد والتسليم ، قائما على أسكفّة « 1 » باب الأدب لمثابة حكم الحكيم . ومنها : والوقائع عافاكم اللّه وعّاظ ، ونحن هجود وفي الحيّ أيقاظ ، وما كل المعاني تؤديها الألفاظ . وهذا الفنا الذي نشأ عن الوقت ، هو إن شاء اللّه عين البقيا . وإذا أحبّ اللّه عبدا حماه الدنيا ، وما هي إلّا فنون ، وجنون فنون ، وحديث كله مجون . وقد يجمع اللّه الشتيتين ، ولن يغلب عسر يسرين ولا باس ، ويا خطب لا مساس ، وأبعد اللّه الياس ، وإنما يوفي الأجر الصابرون ، ولا ييأس من روح اللّه إلّا القوم الكافرون . وهي طويلة بديعة . أسمع بحضرة غرناطة لما قدم عليها وارتسم في جملة الكتاب بها ، وحدّث عن رضي الدين أبي أحمد إبراهيم الطهري ، بسماعه من الشريف يونس بن يحيى الهاشمي ، بسماعه من أبي الوقت طرّاد . وعن الإمام سراج الدين أبي حفص عمر بن طراد المعري القاضي بالحرم الشريف ، وعن شرف الدين أبي عبد اللّه محمد بن عبد الحميد الهمداني ، وعن الإمام بهاء الدين الخميري عن أبي الطاهر السّلفي ، وعن جماعة غيرهم ، وكان وروده على الأندلس في أوائل عام خمسة عشر وسبعمائة ، وحضر بها غزوات ، ولقي من كان بها من الأعلام . ثم انصرف عنها في أوائل عام ثمانية عشر ، وأحلّ بسبتة ، فأكرم رئيسها أبو عمر يحيى بن أبي طالب العزفي قدومه ، وأنزله بدار جليلة كان بها علو مطلّ على البحر ، لم يتمكن من مفتاحه ، لأمر اقتضى
--> ( 1 ) أسكفّة الباب : خشبته التي يوّطأ عليها . محيط المحيط ( سكف ) .