لسان الدين ابن الخطيب
355
الإحاطة في أخبار غرناطة
فكما انسكب الغيث عن ظلاله ، وخرج الودق من غلاله ، فتدارك النّعمة عن فوتها ، وأحيا الأرض بعد موتها ، ذلك الشريف الأجلّ ، الوزير الأفضل ، أبو طالب ابن القرشي الزّهري ، أدام اللّه اعتزازه ، كما رقم في حلل الفخر طرازه ، فاجتمعت به السيادة بعد افتراقها ، وأشرق وجه الأرض لإشراقها ، والتفّت الثياب بالثياب ، وضمّ الرّكاب بالرّكاب ، ولا عهد كأيام الشباب ، فوصل القريب البعيد ، وهنّوه كما جرت العادة بالعيد ، فوقف مع ركابه وسلّمت ، وجرت كلاما وبه تكلّمت ، فقلت : تقبّل اللّه سعيك ، وزكّى عملك ، وبلّغك فيما تودّه أملك ، ولا تأمّلت وجها من السّرور إلّا تأمّلك ، ونفعك بما أوليت ، وأجزل حظّك على ما صمت وصلّيت ، ووافقتك لعلّ وساعدتك ليت ، وهنّاك عيد الفطر وهنّأته ، وبدأك بالمسرات وبدأته ، وتبرّأ لك الدهر مما تحسد وبرّأته . وهكذا بحول اللّه أعياد واعتياد ، وعمر في دوام وعزّ في ازدياد ، والسّنّة تفصح بفضلك إفصاح الخطباء من إياد ، وأقرأ عليك سلام اللّه ما أشرق الضّحى ، ودام الفطر والأضحى . دخوله غرناطة : دخل غرناطة ، وتردّد إليها غير ما مرة ، وأقام بها ، وامتدح ابن أضحى « 1 » وابن هاني ، وابن سعيد وغيرهم من أهلها . قال ابن سعيد في « طالعه » : وقد وصف وصول ابن قزمان إلى غرناطة ، واجتماعه بجنّته بقرية الزاوية من خارجها ، بنزهون القليعية الأديبة ، وما جرى بينهما ، وأنها قالت له بعقب ارتجال بديع ، وكان لبس غفارة صفراء : أحسنت يا بقرة بني إسرائيل ، إلّا أنّك لا تسرّ النّاظرين ، فقال لها : إن لم أسرّ الناظرين ، فأنا أسرّ السامعين ، وإنما يطلب سرور الناظرين منك ، يا فاعلة يا صانعة . وتمكّن السّكر من ابن قزمان ، وآل الأمر إلى أن تدافعوا معه حتى رموه في البركة ، فما خرج منها إلّا وثيابه تقطر ، وقد شرب كثيرا من الماء ، فقال : اسمع يا وزير ثم أنشد « 2 » : [ السريع ] إيه أبا بكر ولا حول لي * بدفع أعيان وأنذال وذات فرج « 3 » واسع دافق * بالماء يحكي حال أذيالي « 4 » غرّقتني في الماء يا سيدي * كفّره بالتغريق في المال
--> ( 1 ) هو الوزير أبو الحسن علي بن عمر بن أضحى ، من بيت عظيم بغرناطة ، ثار بها ودعا لنفسه بعد مقتل تاشفين بن يوسف بن تاشفين المرابطي سنة 539 ه . توفي سنة 540 ه . وقد تقدم التعريف به في الجزء الأول من الإحاطة في ترجمة أبي بكر المخزومي الأعمى . وسيترجم له ابن الخطيب في الجزء الرابع من الإحاطة . ( 2 ) الأبيات في نفح الطيب ( ج 6 ص 71 ) . ( 3 ) في الأصل : « جرح » والتصويب من النفح . ( 4 ) في الأصل : « أذيال » والتصويب من النفح .