لسان الدين ابن الخطيب

311

الإحاطة في أخبار غرناطة

شاعرا ، حسن الخطّ ، يكتب خطوطا على أنواع كلّها جميلة الانطباع ، خطيبا ، فصيح القلم ، زاكي الشّيم ، مؤثرا لأهل العلم والأدب ، برّا بأهل الفضل والحسب ، نفقت بمدته للفضائل أسواق ، وأشرقت بإمداده للفضائل آفاق « 1 » . ومن « عائد الصلة » : كان « 2 » ، رحمه اللّه ، فريد دهره سماحة ، وبشاشة ، ولوذعيّة ، وانطباعا ، رقيق الحاشية ، نافذ العزمة ، مهتزّا للمديح ، طلقا للأمل ، كهفا للغريب ، برمكي المائدة « 3 » ، مهلّبي الحلوى « 4 » ، ريّان من الأدب ، مضطلعا بالرواية ، مستكثرا من الفائدة . يقوم على المسائل الفقهية ، ويتقدم الناس في باب التّحسين والتّقبيح ، ورفع راية الحديث والتّحديث ، نفّق بضاعة الطلب ، وأحيا معالم الأدب ، وأكرم العلم والعلماء ، ولم تشغله السياسة عن النظر ، ولا عاقه تدبير الملك عن المطالعة والسماع والإفراط « 5 » في اقتناء الكتب ، حتى ضاقت قصوره عن خزائنها ، وأثرت أنديته من ذخائرها . قام له الدّهر على رجل « 6 » ، وأخدمه صدور البيوتات ، وأعلام الرّياسات ، وخوطب من البلاد النازحة ، وأمّل من « 7 » الآفاق النائية . رحلته ونباهته : رحل « 8 » إلى الحجاز الشريف من بلده ، على فتاء سنّه ، أول عام ثلاثة « 9 » وثمانين وستمائة ، فحجّ وزار ، وتجوّل في بلاد المشرق ، منتجعا عوالي الرواية في مظانّها ، ومنقّرا عنها عند مسنّي شيوخها ، وقيّد الأناشيد الغريبة ، والأبيات المرقصة ، وأقام بمكة شرّفها اللّه ، من شهر رمضان إلى انقضاء الموسم ، فأخذ بها عن جماعة يأتي ذكرهم في مشيخته . وانصرف إلى المدينة المشرّفة ، ثم قفل مع الرّكب الشامي إلى دمشق ، ثم كرّ إلى المغرب ، لا يمرّ بمجلس علم أو تعلّم إلّا روى أو روّي . واحتلّ رندة ، حرسها اللّه ، أواخر عام خمسة وثمانين وستمائة ، وأقام « 10 » بها عينا في قرابته ، وعلما في أهله ، معظّما عندهم « 11 » ، إلى أن أوقع السلطان بالوزراء من بني حبيب ، الوقيعة البرمكيّة « 12 » . وورد رندة في أثر ذلك ، في شهر جمادى الآخرة من عام ستة وثمانين وستمائة ، فتعرّض إليه ، ومدحه « 13 » ، وهنّأه بقصيدة طويلة

--> ( 1 ) هنا ينتهي النص في نفح الطيب . ( 2 ) النص في نفح الطيب ( ج 8 ص 47 - 48 ) . ( 3 ) برمكي المائدة : نسبة إلى البرامكة الذين كانوا مضرب المثل في الكرم والضيافة . ( 4 ) مهلبي الحلوى : نسبة إلى بني المهلب بن أبي صفرة ، وكانوا مضرب المثل في أكل الحلوى . ( 5 ) في النفح : « وأفرط » . ( 6 ) قام له الدهر على رجل : كناية عن مطاوعة الدهر له . ( 7 ) في النفح : « في » . ( 8 ) النص في نفح الطيب ( ج 8 ص 48 - 49 ) . ( 9 ) في الأصل : « ثلاث » ، وهو خطأ نحوي . ( 10 ) في النفح : « فأقام » . ( 11 ) في النفح : « لديهم » . ( 12 ) المراد وقيعة هارون الرشيد بالبرامكة . ( 13 ) كلمة « ومدحه » غير واردة في النفح .