لسان الدين ابن الخطيب

25

الإحاطة في أخبار غرناطة

الأرزاق ، ومرافق المواسم ، ووعد ضعفاءهم بالإرفاد ، وتجوفي عمّا يرجع للجميع من عقار ورباع ، وأسعفت آمالهم في لحاق ذويهم من أهل وولد . وممّا يرجع إلى عوائد الرّفق ، ومرافق العدل من مأزق في جهاد النفس ، وقوف وكيل الدولة ، مع من يجاور مستخلص « 1 » السلطان من العامرين « 2 » ومما ولي الفلاحة ، وقد ادّعوا أضرارا ، يجرّه الحوار بين يدي القاضي بالحضرة ، حتى بعد منقطع الحقّ ، على ما يخصّ السلطان من الأصول التي جرّها الميراث عن كريم السّلف . ولا كقضية التاجر المعروف بالحاج اللبّاس ، من أهل مدينة وادي آش ، وقد تحصّلت في داره ، من قبل التاجر المذكور جارية من بنات الروم ، في سبيل تفوّت الذّمم ، ومستهلك المتولات ، وترقّت إلى تربية ولده ، وأصبحت بعض الأظآر « 3 » لأمرائه ، واتّصل بها كلفه ، وزاد هيمانه ، وغشي مدافن الصّالحين من أجلها ، وأنهيت إليه خبره وبثّه ، وقرّرت عنده شجوه ، وألمعت بما ينقل في هذا الباب عن الملوك قبله ، فبادر إلى إخراجها من القصر بنفسه ، وانتزاعها من أيدي الغبطة ، انتزاع القهر ، بحاله في جميل الزّي ، فمكّنت منها يد عاشقها الذّاهل ، وقد خفّت نفسه ، وسكن حسّه ، وكاد لقاؤه إيّاها أن يقضي عليه . ونظائر هذا الباب متعددة . ومن مواقف الصّدق والإحسان من خارق جهاد النفس ، بناء المارستان الأعظم ، حسنة هذه التخوّم القصوى ، ومزيّة المدينة الفضلى . لم يهتد إليه غيره من الفتح الأول ، مع توفّر الضرورة ، وظهور الحاجة ، فأغرى به همّة الدّين ، ونفس التقوى ، فأبرزه موقف الأخدان « 4 » ، ورحلة الأندلس ، وفذلكة الحسنات ، فخامة بيت ، وتعدّد مساكن ، ورحب ساحة ، ودرور مياه ، وصحّة هواء ، وتعدّد خزائن ومتوضآت ، وانطلاق جراية ، وحسن ترتيب ، أبرّ على مارستان مصر « 5 » ، بالسّاحة العريضة ، والأهوية الطيّبة ، وتدفّق المياه من فورات المرمل ، وأسود الصخر ، وتموّج البحر ، وانسدال الأشجار ، إلى موافقته إياي ، وتسويغه ما اخترعته بإذنه ، وأجريته بطيب نفسه ، من اتخاذ المدرسة والزاوية ، وتعيين التّربة ، مغيرا في ذلك كله على مقاصد

--> ( 1 ) المراد بمستخلص السلطان : الأملاك السلطانية الخاصة . ( 2 ) العامريون : هم الذين يفلحون الأرض ويعمرونها . لسان العرب ( عمر ) . ( 3 ) الأظآر : جمع ظئر ، والظئر : المرضعة غير ولدها ، وظئر الرجل : ابنه من الرضاع . لسان العرب ( ظأر ) . ( 4 ) الأخدان : جمع خدن وهو الصاحب والرفيق والصديق . محيط المحيط ( خدن ) . ( 5 ) أغلب الظن أنه المارستان المنصوري الكبير الذي أنشأه السلطان المنصور بن قلاوون سنة 683 ه .