لسان الدين ابن الخطيب

215

الإحاطة في أخبار غرناطة

ومنهم الفقيه الأجلّ ، العالم العلم ، الأوحد ، النحوي ، الأديب المتفنن ، أبو علي عمر بن عبد المجيد الأزدي ، قرأت عليه القرآن العزيز مفردات ، وكتاب الجمل ، والإيضاح ، وسيبويه تفقها ، وكذلك الأشعار السّتة تفقها ، وما زلت مواظبا له إلى أن توفي رحمه اللّه . وكان فريد عصره في الذكاء والزكا . ولم يكن في حلبة الأستاذ أبي زيد السّهيلي أنجب منه على كثرتهم . وقد قال الأستاذ أبو القاسم السهيلي للإمام المنصور ، رضي اللّه : هو أقعد لكتاب سيبويه منّا . وقال لي يوما ، وقد نظر إلى طالب يصغي بكليته إلى ثان ، فقلت : ما ذا ؟ فقال : إنّ حبّ الشيء يعمي ويصمّ ، فقلت له : ويعيد الصّبح ليلا مدلهمّ ، فاستحسنه . ومنهم الفقيه الأجلّ ، الأديب الأريب الكامل ، اللغوي الشهير ، أبو علي ابن كسرى الموري ، قريبي ومعلّمي . وكان من طلبة أبي القاسم السّهيلي ، وممن نبغ صغيرا . وهو الذي أنشد في طفولته السيد أبا إسحاق الكبير بإشبيلية : [ الكامل ] قسما بحمص « 1 » وإنه لعظيم * فهي المقام وأنت إبراهيم وكان بالحضرة الأستاذ أبو القاسم السهيلي ، فقام عند إتمامه القصيدة ، فقال : لمثل هذا كنت أحسيك الحسا ، ولمثل هذا كنت أواصل في تعليمك الإصباح والإمساء . وقد أنشد هذا لأمير المؤمنين أبي يعقوب « 2 » ، رضي اللّه عنه : [ الطويل ] أمعشر أهل الأرض بالطّول والعرض * بهذا أنادي في القيامة والعرض فقد قال اللّه فيك ما أنت أهله * فيقضى بحكم اللّه فيك بلا نقض فإياك يعنى ذو الجلال بقوله * كذلك مكّنّا ليوسف في الأرض ومنهم الفقيه الأجل ، العالم المحدّث ، الحافظ الفاضل المؤثر ، السيد أبو محمد القرطبي ، قرأت عليه القرآن بالروايات مفردات ، وتفقهت في الجمل والأشعار ، وأجازني جميع ما رواه . وكذلك فعل كل واحد ممن تقدّم ذكره . وكان ، رحمه اللّه ، آخر الناس علما ونزاهة وحسن خلق ، وجمال سمت وأبهة ووقار ، وإتقان وضبط ، وجودة وحفظ .

--> ( 1 ) حمص هنا هي إشبيلية ، وقد سميت إشبيلية بحمص لشبهها بها . ( 2 ) هو أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن الموحدي ، وقد حكم المغرب والأندلس من سنة 558 ه إلى سنة 580 ه . ترجمته في البيان المغرب - قسم الموحدين ( ص 83 ، 130 ) والحلل الموشيّة ( ص 119 ) .