لسان الدين ابن الخطيب
206
الإحاطة في أخبار غرناطة
وخاطبني كذلك ، وهو من الكلام المرسل : أبو معارفي ، ووليّ نعمتي ، ومعيد جاهي ، ومقوّم كمالي ، ومورد آمالي ، ممن توالى نعمه عليّ ، ويتوفّر قسمه لدي ؛ وأبوء له بالعجز ، عن شكر أياديه التي أحيت الأمل ، وملأت أكفّ الرغبة ، وأنطقت الحدائق ، فضلا عن اللسان ، وأياديه البيض وإن تعددت ، ومننه العميمة وإن تجدّدت ، تقصر عن إقطاع أسمى شرف المجلس في الروض الممطور بيانه . فماذا أقول ، فيمن صار مؤثرا إليّ بالتقديم ، جاليا صورة تشريفي ، بالانتساب إليه في أحسن التقويم . . . « 1 » وإني ثالث اثنين أتشرف بخدمتها ، وأسحب في أذيال نعمتها : [ الطويل ] خليليّ ، هل أبصرتما أو سمعتما * بأكرم من تمشي إليه عبيد ؟ اللهمّ ، أوزعني شكر هذا المنعم ، الذي أثقلت نعمه ظهر الشكر ، وأنهضت كمال الحمد ، اللهمّ أدم بجميع حياته ، وأمتع بدوام بقائه الإسلام والعباد ، وأمسك بيمن آرائه رمق ثغر الجهاد . يا أكرم مسؤول ، وأعزّ ناصر . تفضّل سيدي ، والفضل عادته ، بالتعريف بما يقرّ عين التطلّع ويقنع غلّة التشوّف . ولقد كان المماليك لما مثلنا بين يدي مولانا ، أيّده اللّه ، لم يقدم عملا عن السؤال ولا عن الحال ، إقامة لرسم الزيارة ، وعملا بالواجب ، فإنني أرى الديار بطرفي ، فعلى أن أرى الديار بعيني ، وعلى ذلك يكون العمل إن شاء اللّه . وإن سأل سيدي شكر اللّه احتفاءه ، وأبقى اهتمامه ، عن حال المماليك ، من تعب السفر ، وكدّ الطريق ، فهي بحمد اللّه دون ما يظنّ . فقد وصلنا المنكّب تحت الحفظ والكلاءة ، محرزين شرف المساوقة ، لمواكب المولى ، يمن اللّه وجهته ، وكتب عصمته ، واستقرّ جميعنا بمحلّ القصبة ، وتاج أهبتها ، ومهبّ رياح أجرائها ، تحت النعم الثرّة ، والأنس الكامل الشامل . قرّب اللّه أمد لقائكم ، وطلع على ما يسرّ من تلقائكم . ولما بلغنا هذه الطّيّة ، وأنخنا المطيّة ، قمنا بواجب تعريفكم على الفور بالأدوار ، ورفعنا مخاطبة المالك على الابتدا . والسلام . مولده : في الرابع عشر من شوال ثلاثة وثلاثين وسبعمائة . انتهى السفر السادس هنا ، والحمد للّه ربّ العالمين
--> ( 1 ) بياض في الأصل .