لسان الدين ابن الخطيب
19
الإحاطة في أخبار غرناطة
اللّه ، الأمير يريد كذا ، ولا بدّ له من ذلك ، وأنا وكيله عليك في هذا ، فقال : حسبنا اللّه ونعم الوكيل . ولا خفاء ببراعة هذا التوقيع ، وغرابة مقاصده ، ومجالسه على الأيام معمورة بهذا ومثله . الملوك على عهده : بالمغرب « 1 » السلطان الجليل إبراهيم ابن السلطان أبي الحسن ابن السلطان أبي سعيد ابن السلطان أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق . تولّى ملك المغرب حسبما تقدم في اسمه « 2 » ، وألقى إليه بالمقاليد ، واستوسقت له الطاعة ، وبحسب ما بثّ اللّه من اشرباب « 3 » الخلق إليه ، وتعطّشهم إلى لقائه ، ورغبتهم في إنهاضه إلى ملك أبيه ، كان انقلابهم إلى ضد هذه الخلال ، شرقا بأيامه وإحصاء لسقطاته ، وولعا باغتيابه وتربصا لمكروه به ، إذ أخفقت فيه الآمال ، واستولت الأيدي من خدّامه على ملكه . وقيّض اللّه لإبادة أمره ، وتغيّر حاله وهدّ ركنه ، الخائن الغادر نسمة السوء وقذار ناقة الملك ، وصاعقة الوطن وحرد السّيد عمر بن عبد اللّه بن علي « 4 » مؤتمنة على البلد الجديد ، دار ملكه ومستودع ماله وذخيرته ، فسدّ الباب دونه ، وجهر بخلعانه . وفض في اتّباع الناعق المشؤوم سور ماله ، وأقام الدّعوة باسم أخيه أبي عمر ، ذي اللّوثة ، الميؤوس من إفاقته ، وذلك ضحوة اليوم الثامن عشر لشوال من عام اثنين وستين وسبعمائة . وبادر السلطان أبو سالم البيعة من متحول سكناه بقصر البلد القديم « 5 » ، وصابر الأمر عامة اليوم . ولمّا جنّ الليل ، فرّ لوجهة ، وأسلم وزراءه وخاصّته ، وقيّدت خطاه الخيريّة ، فأوى إلى بعض البيوت ، وبه تلاحق متبوعه ، فقيد إلى مصرعه السّوء بظاهر بلده ، وحز رأسه ، وأوتي به إلى الغادر . وكان ما بين انفصال السلطان عنه مودّعا إلى الأندلس بإعانته ، ومطوّق فضل تلقيه وقفوله وحسن كفالته ، ثمانية أشهر ويوم واحد . واستمرّت دعوة أخيه المموّه به إلى الرابع والعشرين من صفر من عام ثلاثة وستين وسبعمائة ،
--> ( 1 ) ضمن العنوان نفسه جاء في اللمحة البدرية ( ص 117 ) : أن سلطان المغرب في عهد الغني بالله هو أبو عنان فارس بن أبي الحسن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق ، وولي بعده ولده السعيد أبو بكر . ( 2 ) المراد إبراهيم بن أبي الحسن بن أبي سعيد عثمان بن أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق ، وقد تقدمت ترجمته في الجزء الأول من الإحاطة . ( 3 ) الاشرباب : المحبة ؛ يقال : أشرب فلان حبّ فلانة ، أي خالط قلبه . وأشرب قلبه محبة هذا : أي حلّ محلّ الشراب . لسان العرب ( شرب ) . ( 4 ) في اللمحة البدرية ( ص 118 - 119 ) : « عمر ابن الوزير عبد اللّه بن علي البيّاني » . ( 5 ) البلد القديم هو مدينة فاس القديمة ، والبلد الجديد هو ضاحية أنشأها بنو مرين بجوار مدينة فاس .