لسان الدين ابن الخطيب

176

الإحاطة في أخبار غرناطة

محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن يحيى ابن الحكيم اللخمي « 1 » يكنى أبا بكر . أوّليّته : مرّت في اسم ذي الوزارتين . حاله : من كتاب « عائد الصلة » : « كان صدر أبناء أصحاب النّعم ، وبقيّة أعلام البيوت ، ترف نشأة ، وعزّ تربية ، وكرم نفس ، وطيب مجالسة ، وإمتاع محاضرة ، وصحة وفاء ، وشياع مشاركة في جملة فاضلة ، محدّثا تاريخيا ، كاتبا بليغا ، حسن الخطّ ، مليح الدّعابة ، ظريف التوقيع ، متقدم الحيلة في باب التحسين والتنقيح ، يقرض الشعر ، ويفكّ المعمّى ، ويقوم على جمل الكتاب العزيز ، حفظا وتجويدا ، وإتقانا ، ويسرد نتف التاريخ ، وعيون الأخبار ، إلى حسن الخلق ، وكمال الأبّهة ، وحلاوة البساطة ، واحتمال المنابشة ، والمثابرة على حفظ المودة ، والاستقالة من الهفوة ، والتمسّك بالاستعتاب والمعذرة . كتب بالدار السلطانية أكثر عمره ، وتصدّر بعد في قيادة المواضع النّبيهة ، محاربا ذا قدرة في ذلك ، ومع ذلك فشائع المعروف ، ذائع المشاركة . قيّد الكثير ، ودوّن وصنّف ، وحمل عن الجلّة ممن يشقّ إحصاؤهم ، وكان غرّة من غرر هذا القطر ، وموكبا من مواكب هذا الأفق ، لم يتخلف بعده مثله . وجرى ذكره في « التاج المحلّى » بما نصّه « 2 » : « ماجد أقام رسم « 3 » المجد بعد عفائه ، فوفّى الفضل حقّ وفائه . بيته في رندة أشهر في الأصالة من بيت امرئ القيس ، وأرسى في بحبوحة الفخر من قواعد الرّضوى وأبي قيس . استولى على الجود البديع البعيد المدى ، وحجّت إليه من كل فج طلّاب النّدى ، وعشت إلى ضوء ناره فوجدت على النار التّقى والهدى . ولّي الوزارة النّصرية التي اعتصر منها طريفا بتالد ، فأحيت مآثرها الخالدة مآثر يحيى بن خالد « 4 » . ولمّا أدار عليها الدهر كأس النّوائب ، وخلص إليها سهمه الصّائب ، بين صحائف الكتب وصفائح الكتائب ، تطلّعت من خلالها الرائقة لباب الوجود ، وبكتها بسيل أجفانها عين الباس والجود ، وطلع على

--> ( 1 ) ترجمة محمد بن محمد بن الحكيم في الكتيبة الكامنة ( ص 195 ) ونفح الطيب ( ج 8 ص 42 ) . ( 2 ) قارن بالكتيبة الكامنة ( ص 195 ) . ( 3 ) في الكتيبة : « ربع » . ( 4 ) هو يحيى بن خالد البرمكي ، وزير الخليفة هارون الرشيد .