لسان الدين ابن الخطيب

152

الإحاطة في أخبار غرناطة

حداد « 1 » . نحن في زمن لا يحظى فيه بنفاق ، إلّا من عامل بنفاق . شغل الناس عن طريق الآخرة بزخارف الأغراض ، فلجّوا في الصّدود عنها والإعراض ، آثروا دنيا هي أضغاث أحلام ، وكم هفت في حبها من أحلام ، أطالوا فيها آمالهم ، وقصروا أعمالهم ، ما بالهم ، لم يتفرغ لغيرها بالهم ، ما لهم في غير ميدانها استباق « 2 » ، ولا بسوى هواها اشتياق « 3 » . تاللّه لو كشفت الأسرار ، لما كان هذا الإصرار ، ولسهرت العيون ، وتفجّرت من شؤونها الجفون « 4 » . فلو أن عين البصيرة من سنتها هابّة ، لرأت جميع ما في الدنيا ريحا « 5 » هابّة ، ولكن استولى العمى على البصائر ، ولا يعلم الإنسان « 6 » ما إليه صائر . أسأل اللّه هداية سبيله ، ورحمة تورد نسيم الفردوس وسلسبيله ، إنه الحنّان المنّان لا ربّ سواه . ومنها « 7 » : فلتات الهبات ، أشبه شيء بفلتات الشّهوات . منها نافع لا يعقب ندما ، ومنها ضارّ يبقي في النفس ألما . فضرر الهبة وقوعها عند من لا يعتقد لحقّها أداء ، وربما أثمرت « 8 » عنده اعتداء . وضرر الشهوة أن لا توافق ابتداء ، فتصير لمتبّعها « 9 » داء ، مثلها كمثل السّكر يلتذّ صاحبه بحلاوة « 10 » جناه ، فإذا صحا يعرف « 11 » قدر ما جناه . عكس هذه القضية هي الحالة المرضية . مولده : ببلنسية سنة تسع وثلاثين وخمسمائة ، وقيل : بشاطبة سنة أربعين وخمسمائة . وفاته : توفي بالإسكندرية ليلة الأربعاء التاسع والعشرين لشعبان أربع عشرة وستمائة . محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن علي بن شبرين « 12 » يكنى أبا بكر ، شيخنا الفقيه القاضي المؤرخ الكاتب البارع ، رحمة اللّه عليه .

--> ( 1 ) في الذيل والتكملة : « من ملابس الحداد » . ( 2 ) في الذيل والتكملة : « استنان » . ( 3 ) في الذيل والتكملة : « استنان » . ( 4 ) في الذيل : « العيون » . ( 5 ) في الذيل : « ريح » . ( 6 ) في الذيل : « المرء » . ( 7 ) الذيل والتكملة ( ج 5 ص 609 ) . ( 8 ) في الأصل : « أثرت » ، والتصويب من الذيل والتكملة . ( 9 ) في الذيل : « فتعود لمستعملها » . ( 10 ) في الذيل : « بحلو » . ( 11 ) في الذيل : « تعرّف » . ( 12 ) ترجمة ابن شبرين في الكتيبة الكامنة ( ص 166 ) وتاريخ قضاة الأندلس ( ص 190 ) واللمحة البدرية ( ص 64 ، 90 ، 98 ) ونفح الطيب ( ج 8 ص 85 ) .