لسان الدين ابن الخطيب

57

الإحاطة في أخبار غرناطة

ولايته : ولّي القضاء بمواضع من الأندلس كثيرة من البشارات « 1 » ، أقام بها أعواما خمسة ؛ ثم لوشة ، وأقام بها ثلاثة أعوام ؛ ثم بسطة وبرشانة . ثم انتقل إلى مالقة وأقام بها أعواما خمسة . نبّهت على مقدار الإقامة لما في ضمن طول سني الولاية من استقامة أمر الوالي . وكان له من أمير المسلمين بالأندلس حظوة لطيفة لم تكن لغيره ، استنزلها بسحر التلطّف ، وخطبها بلسان التّملّق حتى استحكمت له أسبابها . حدّثني بعض أشياخي ممّن كان يباشر مال السلطان يومئذ ، قال : وجّه ابن مسعدة ابنه من مالقة ، بكتاب في بعض الأغراض الضرورية ، ثم رغب فيه أن ينعم على ولده بالمشافهة لإلقاء أمر ينوب عنه فيه ، فلما حضر تناول رجل السلطان فقبّلها ، وقال : أمرني أبي أن أنوب في تعفير الوجه ، في هذه الرّجل الكريمة الجهاديّة عنه خاصّة ؛ لبعد عهده بها ، إلى أمثال هذا مما اقتضت الانتفاع بعاجل من الدّنيا زهيد ، لا يدري ما اللّه صانع فيه ، والإبقاء بما تجاوز الإفراط في تقدّمه بمالقة ، بعده دار الأعلام ، وديوان العقد ، وهو حدث خليّ من العلم ، قريب العهد بالبلوغ ، فكانت على أنها غاية الصّدور ملعبا ، إلى أن ضرب الدهر ضرباته ، وانتقلت الحال . مشيخته : أولهم قاضي الجماعة أبو الحسن بن أبي عامر بن ربيع ، وثانيهم القاضي أبو عامر يحيى بن عبد الرحمن بن ربيع ، وثالثهم أبو يحيى بن عبد المنعم الخزرجي ، ورابعهم العدل الرّاوية أبو الوليد العطّار ، وخامسهم أبو إسحاق بن إبراهيم بن أحمد الخشني ، وسادسهم الأستاذ أبو الحسن الكناني الإشبيلي ، وسابعهم محمد بن إبراهيم بن مفرّج الأوسي الدبّاغ ، وثامنهم أبو جعفر أحمد بن علي الرّعيني ، وتاسعهم أبو علي بن أبي الأحوص . وصمته : فروى الناس أنه وجد بخزانته بعد وفاته زمام يشتمل على مثالب أهل غرناطة ، مما يحدث على الأيام في أفرادهم من فلتات يجريها عدم الاتّصاف بالعصمة . استقرّ عند ولده الفضل ، زعموا ، ثم خفي أثره ، ستر اللّه عيوبنا برحمته . وفاته : توفي بمالقة قرب صلاة المغرب ، يوم الأحد الموفّي عشرين لذي الحجة عام تسعة وتسعين وستمائة ، ودفن بخارج باب قبالة في مالقة المذكورة بمقربة من رابعة بني عمّار ، وبالروضة المنسوبة لبني يحيى ، نقلت من خط ولده الفضل .

--> ( 1 ) البشارات : بالإسبانية Alpujarras ، وهي المنطقة الجبلية الواقعة جنوب سفوح جبل شلير . راجع مملكة غرناطة في عهد بني زيري ( ص 46 ) .