لسان الدين ابن الخطيب

51

الإحاطة في أخبار غرناطة

وأصابته أيام الهيج محن ، ونسبت إليه نقائص زوّرتها حسدته ، فصرف عن القضاء ؛ وبقي مدّة مهجور الفناء ، مضاع المكان ، عاطل الدّولة ، منتبذا في مليك له ؛ خارج الحضرة ، ينحني على خرثيّ « 1 » ساقط القيمة ، ودفاتر ساقطة الثمن ، يتعلّل بعلالتها ، ويرجى الوقت بيسيرها . حدّثني الوزير أبو بكر بن الحكيم ، قال : زرته في منزله بعد عزله ، ونسبة الأمور التي لا تليق بمثله ، فأنشدني بما ينبئ عن ضجره وضيق صدره : [ المجتث ] أنا من الحكم تائب * وعن دعاويه هارب « 2 » بعد التّفقّه عمري « 3 » * ونيل أسنى المراتب وبعد ما كنت أرقى * على المنابر خاطب « 4 » أصبحت أرمى بعار * للحال غير مناسب أشكو إلى اللّه أمري * فهو المثيب المعاقب وثبت اسمه في التاريخ المسمّى « بالتاج » تأريخي بما نصّه : شيخ الجماعة وقاضيها ، ومنفّذ الأحكام وممضيها ، وشايم « 5 » سيوفها الماضية ومنتضيها ، رأس بفضيلة نفسه ، وأحيا دارس رسم القضاء بدرسه ، وأودع في أرض الاجتهاد ، بذر السّهاد ، فجنى ثمرة غرسه ؛ إلى وقار يودّ رضوى رجاحته ، وصدر تحسد الأرض الغبيطة ساحته ، ونادرة يدعوها فلا تتوقّف ، ويلقى عصاها فتتلقّف ؛ ولم يزل يطمح بأمانيه ، ويضطلع بما يعانيه ، حتى رفع إلى الرّتبة العالية ، وحصل على الحال الحالية ؛ وكان له في الأدب مشاركة ، وفي قريض النظم حصّة مباركة . انتهى إليّ قوله يهنّئ السلطان أبا عبد اللّه بن نصر « 6 » ، بالإبلال من مرض في اقتران بعيد وفتح ، وذلك « 7 » : [ الطويل ] شفاؤك للملك اعتزاز وتأييد * وبرؤك مولانا به عندنا « 8 » عيد

--> ( 1 ) الخرثيّ : أردأ المتاع أو أثاث البيت . محيط المحيط ( خرث ) . ( 2 ) في الكتيبة الكامنة : « راغب » . ( 3 ) في المصدر نفسه : « دهري » . ( 4 ) هذا البيت ساقط في الكتيبة . ( 5 ) شام السيف : انتضاه . ( 6 ) هو سلطان الأندلس أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن محمد بن يوسف بن نصر ، ثالث سلاطين بني نصر . اللمحة البدرية ( ص 60 ) . ( 7 ) الأبيات في الكتيبة الكامنة ( ص 102 ) . ( 8 ) في الأصل : « عيدنا » والتصويب من الكتيبة الكامنة .