لسان الدين ابن الخطيب

46

الإحاطة في أخبار غرناطة

إلى المسير في جملته ، كان ممّن وصل إليه الأمير عبد اللّه بن بلكّين بن باديس ، صاحب غرناطة ، ووصل صحبته الوزير أبو جعفر بن القليعي ، لرغبته في الأجر مع شهرة مكانه ، وعلوّ منصبه ، ولنهوض نظرائه من زعماء الأقطار إلى هذا الغرض . وكان مضرب خيام القليعي قريبا من مضرب حفيد باديس ، ولمنزلته عند الأمير يوسف بن تاشفين ، وله عليها الحفوف وله به استبداد وانفراد كثير وتردّد كثير ، حتى نفى بذلك حفيد باديس ، وأنهم عينه . قال المؤرّخ : وكيفما دارت الحال ، فلم يخل من نصح للّه ولأمير المسلمين . قلت : حفيد باديس كان أدرى بدائه ، قصّر اللّه خطانا من مدارك الشّرور . فلمّا صدر حفيد باديس إلى غرناطة ، استحضره ونجهه ، وقام من مجلسه مغضبا ، وتعلقت به الخدمة ، وحفّت به الوزعة « 1 » والحاشية ، وهمّوا بضربه ؛ إلّا أن أمّ عبد اللّه تطارحت على ابنها في استحيائه ، فأمر بتخليصه ، وسجنه في بعض بيوت القصر ؛ فأقبل فيه على العبادة والدعاء والتّلاوة ؛ وكان جهير الصوت ، حسن التّلاوة ، فأرتج القصر ، وسكنت لاستماعه الأصوات ، وهدأت له الحركات ، واقشعرّت الجلود . وخافت أم عبد اللّه على ولدها ، عقابا من اللّه بسببه ، فلاطفته حتى حلّ عقاله ، وأطلقه من سجنه . ولمّا تخلّص أعدّها غنيمة . وكان جزلا ، قويّ القلب ، شديد الجزم ؛ فقال الصّيد بغراب أكيس ؛ فاتخذ الليل جملا ؛ فطلع له الصباح بقلعة يحصب ، وهي لنظر ابن عبّاد « 2 » ، وحثّ منها السّير إلى قرطبة ؛ فخاطب منها يوسف بن تاشفين بملء فيه ، بما حرّكه وأطمعه ؛ فكان من حركته إلى الأندلس ، وخلع عبد اللّه بن بلكّين من غرناطة ، واستيلائه عليها ، ما يرد في اسم عبد اللّه وفي اسم يوسف بن تاشفين ، إن شاء اللّه . وبدا لحفيد باديس في أمر أبي جعفر القليعي ، ورأى أنه أضاع الحزم في إطلاقه ، فبحث عنه من الغد ، وتقصّت عنه البلدة ، فلم يقع له خبر ، إلى أن اتّصل به خبر نجاته ، ولحاقه بمأمنه . فرجع باللائمة على أمّه ، ولات حين مندم . ولم يزل أبو جعفر مدّته في دول الملوك ، من لمتونة ، معروف الحقّ ، بعيد الصّيت والذّكر ، صدر الحضرة ، والمخصوص بعلوّ المرتبة إلى حين وفاته « 3 » .

--> ( 1 ) الوزعة : جمع الوازع وهو من يدبّر أمور الجيش ، أو هو قامع الشّرّ والبغي . لسان العرب ( وزع ) . ( 2 ) هو المعتمد بن عباد ، صاحب إشبيلية . ( 3 ) في الصلة : « وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وأربعمائة » .