لسان الدين ابن الخطيب
42
الإحاطة في أخبار غرناطة
وعوجل بالقتل مع من حضر منهم . وتولّى الملك بعده ولده محمد ، واستمرّ سلطانه إلى ذي الحجة من عام أربعة وثلاثين وسبعمائة ، وقتل بظاهر جبل الفتح « 1 » . وولي بعده أخوه مولانا السلطان أبو الحجاج لباب هذا البيت ، وواسطة هذا العقد ، وطراز هذه الحلية ، ثم اغتاله ممرور من أخابيث السّوقة ، قيّضه اللّه إلى شهادته ، وجعله سببا لسعادته ، فأكبّ عليه في الرّكعة الآخرة من ركعتي عيد الفطر ، بين يدي المحراب ، خاشعا ، ضارعا ، في الحال الذي أقرب ما يكون العبد من ربّه ، وهو ساجد ، وضربه بخنجر مهيّئ للفتك به ، في مثل ذلك الوقت ، كان ، زعموا ، يحاول شحذه منذ زمان ، ضربة واحدة ، على الجانب الأيسر من ظهره ، في ناحية قلبه ، فقضى عليه ، وبودر به فقتل . وولي الأمر بعده محمد « 2 » ، ولده أكبر بنيه ، وأفضل ذويه ، خلقا وخلقا وحياء وجودا ، ووقارا وسلامة وخيريّة ، ودافع دولته من لا يعبأ اللّه به « 3 » ؛ ثم تدارك الأمر سبحانه ، وقد أشفى ، ودافع وكفى ، بما يأتي في محلّه إن شاء اللّه . وهو أمير المسلمين لهذا العهد ، متّع اللّه به ، وأدام مدته ، وكتب سعادته ، وأطلق بالخير يده ، وجعله بمراسيم الشريعة من العاملين ، ولسلطان يوم الدين من الخائفين ، المراقبين ، بفضله . وقد أتينا بما أمكن من التعريف بأحوال هذه الحضرة على اختصار . ويأتي في أثناء التّعريف برجالها كثير من تفصيل ما أجمل ، وتتميم ما بدأ ، وإيضاح ما خفي بحول اللّه تعالى .
--> ( 1 ) جبل الفتح : هو جبل طارق ، والذي سمّاه جبل الفتح هو الخليفة عبد المؤمن بن علي ، حين نزل به عام 555 ه . ( 2 ) هو السلطان الغني بالله محمد بن يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل ، حكم غرناطة سنة 755 ه ، ثم عزل سنة 760 ه ، ثم عاد ثانية إلى الملك سنة 763 ه . اللمحة البدرية ( ص 113 ، 129 ) . ( 3 ) إشارة إلى ثورة إسماعيل أخي السلطان محمد الغني بالله عليه ، وانتزاعه الملك منه في رمضان سنة 760 ه .