لسان الدين ابن الخطيب
22
الإحاطة في أخبار غرناطة
قلت : ومكانها اليوم مشهور ، وجدارها ماثل ينبئ عن إحكام وأصالة ، وعلى بعضها مقبرة شهيرة لابن سهل بن مالك ، رحمه اللّه . ولمّا تحرّكت لعدو اللّه الطّاغية ابن رذمير ريح الظّهور ، على عهد الدولة المرابطيّة ، قبل أن يخضد اللّه شوكته على إفراغة « 1 » بما هو مشهور ، أملت المعاهدة « 2 » من النصارى لهذه الكورة إدراك الثّرّة ، وأطمعت في المملكة ، فخاطبوا « 3 » ابن رذمير من هذه الأقطار ، وتوالت عليه كتبهم وتواترت رسلهم ، ملحّة بالاستدعاء مطمعة في دخول غرناطة « 4 » ، فلمّا أبطأ عنهم ، وجّهوا إليه زماما يشتمل على اثني عشر ألفا من أنجاد مقاتليهم ، لم يعدّوا فيها شيخا ولا غرّا ، وأخبروه أنّ من سمّوه ، ممّن شهرت « 5 » أعينهم لقرب مواضعهم ، وبالبعد من يخفى أمره ، ويظهر عند ورود شخصه ، فاستأثروا طمعه وابتعثوا جشعه ، واستفزّوه بأوصاف غرناطة ، وما لها من الفضائل « 6 » على سائر البلاد وبفحصها الأفيح ، وكثرة فوائدها من القمح والشّعير ، والكتّان ، وكثرة المرافق ، من الحرير والكروم ، والزيتون ، وأنواع الفواكه ، وكثرة العيون والأنهار ، ومنعة قبّتها « 7 » وانطباع رعيّتها ، وتأتي أهل حاضرتها ، وجمال إشرافها وإطلالها ، وأنّها المباركة التي يمتلك منها غيرها ، المسمّاة سنام الأندلس عند الملوك في تواريخها ، فرموا حتى أصابوا غربه ، فانتخب وأحشد ، وتحرّك أول شعبان من عام خمسة عشر وخمسمائة « 8 » وقد أخفى مذهبه ، وكتم أربه ، فوافى « 9 » بلنسية ، ثم إلى مرسية ، ثم إلى بيرة ، ثم اجتاز بالمنصورة ثم انحدر إلى برشانة ، ثم تلوّم إلى وادي ناطلة . ثم تحرّك إلى بسطة ، ثم إلى وادي آش ، فنزل بالقرية المعروفة بالقصر « 10 » وصافح المدينة بالحرب ، ولم يحل بطائل ، فأقام عليها شهرا .
--> ( 1 ) إفراغة ، بالإسبانية Fraga : وهي مدينة بغربي لاردة من الأندلس ، لها حصن منيع وبساتين كثيرة . الروض المعطار ( ص 48 ) . ( 2 ) المعاهدة : هم النصارى المعاهدون . ( 3 ) قارن بما جاء في البيان المغرب ( ج 4 ص 69 - 73 ) وفيه يقول ابن عذاري إن أهل نظر أغرناطة خاطبوا في سنة 519 ه ابن ردمير ملحّة عليه بدخول غرناطة . وفي النص بعض اختلاف عمّا هنا . ( 4 ) في البيان المغرب : « أغرناطة » . ( 5 ) في البيان المغرب : « شهدت » . ( 6 ) في المصدر نفسه : « الفضل » . ( 7 ) في البيان المغرب : « قصبتها » . ( 8 ) في البيان المغرب : أول شعبان سنة 519 ه . ( 9 ) في البيان المغرب : « إلى أن وصل بلنسية » . ( 10 ) القصر ، بالإسبانية : Alcazar ، وهي واقعة إلى الجنوب الشرقي من غرناطة .