لسان الدين ابن الخطيب
120
الإحاطة في أخبار غرناطة
ويستنبأ ما تطرف عنه العين وتختلج الجوارح ، استقراء « 1 » لمرامكم ، واستطلاعا لطالع اعتزامكم ، واستكشافا لمرامي « 2 » سهامكم ، لا سيما مع إقامتكم على جناح خفوق ، وظهوركم في ملتمع بروق ، واضطراب الظّنون فيكم مع الغروب والشروق ؛ حتى تستقرّ بكم الدّار « 3 » ، ويلقي عصاه التّسيار ؛ وله العذر في ذلك إذ صدعها بفراقكم لم يندمل « 4 » ، وسرورها بلقائكم لم يكتمل ؛ فلم يبر « 5 » بعد جناحها المهيض « 6 » ، ولا جمّ ماؤها المغيض ، ولا تميّزت من داجيها لياليها البيض ؛ ولا استوى نهارها ، ولا تألقت أنوارها « 7 » ، ولا اشتملت نعماؤها ، ولا نسيت غمّاؤها ؛ بل هي كالنّاقه « 8 » ، والحديث العهد بالمكاره ، تستشعر « 9 » نفس العافية ، وتتمسّح « 10 » منكم باليد الشافية ؛ فبحنانكم « 11 » عليها ، وعظيم « 12 » حرمتكم على من لديها ، لا تشربوا لها عذب المجاج بالأجاج ، وتقنطوها « 13 » مما عوّدت من طيب المزاج ، فما لدائها ، وحياة قربكم غير طبّكم من علاج . وإني ليخطر بخاطري محبة فيكم ، وعناية بما يعنيكم ، ما نال جانبكم صانه اللّه بهذا الوطن من الجفاء ، ثم أذكر ما نالكم من حسن العهد وكرم الوفاء ، وأنّ الوطن إحدى المواطن الأظآر التي يحقّ لهنّ جميل الاحتفاء ، وما يتعلّق بكم من حرمة أولياء القرابة وأولي « 14 » الصّفاء ، فيغلب على ظني أنكم لحسن العهد أجنح ، وبحقّ نفسكم على أوليائكم أسمح ، والتي « 15 » هي أعظم قيمة في « 16 » فضائلكم أوهب وأمنح « 17 » ؛ وهب أنّ الدّرّ لا يحتاج في الإثباب إلى شهادة النّحور واللبّات ، والياقوت غني المكان ، عن مظاهرة القلائد والتّيجان ؛ أليس أنّه أعلى للعيان ، وأبعد عن مكابرة البرهان ، تألقها في تاج الملك أنوشروان ؟ والشمس « 18 » وإن
--> وكان بعض العرب يتفاءل بالسانح ويتشاءم بالبارح ، وكان بعضهم على العكس . لسان العرب ( سنح ) و ( برح ) . ( 1 ) استقراء لمرامكم : تتبعا لمواضع رغبتكم . ( 2 ) في المصدرين : « عن مرامي » . ( 3 ) في المصدرين : « الديار » . ( 4 ) يندمل الصّدع : يصلح ؛ يقال : اندمل الجرح إذا شفي ، والصّدع : الشّقّ . ( 5 ) كذا في أزهار الرياض . وفي النفح : « يبرأ » . ( 6 ) المهيض : المكسور . لسان العرب ( هيض ) . ( 7 ) في النفح : « ولا تألّفت أنهارها » . ( 8 ) الناقة : من شفي من مرضه ولم ترجع قوته بعد . لسان العرب ( فقه ) . ( 9 ) في النفح : « يستشعر » . ( 10 ) في النفح : « ويتمسّح » . ( 11 ) في الأصل : « فبحياتكم » ، والتصويب من المصدرين . ( 12 ) في النفح : « وعظم » . ( 13 ) في المصدرين : « وتفطموها عمّا » . ( 14 ) في المصدرين : « وأودّاء » . ( 15 ) في المصدرين : « وللتي » . ( 16 ) في المصدرين : « من » . ( 17 ) في المصدرين : « وأسجح » . ( 18 ) في المصدرين : « فالشمس » .