لسان الدين ابن الخطيب

75

الإحاطة في أخبار غرناطة

جمع السجن بينهم « اقرأ قرآنك ؛ على أيّ شيء تتطفّل على قرآننا اليوم » أو ما هو في معناه . فتركها مثلا للوذعيّته . مولده : ببلده جيّان في أواخر عام سبعة وعشرين وستمائة . وفاته : وتوفي بغرناطة في الثامن لشهر ربيع الأول عام ثمانية وسبعمائة . وكانت جنازته جنازة بالغة أقصى مبالغ الاحتفال ، نفر لها الناس من كل أوب ، واحتمل طلبة العلم نعشه على رؤوسهم ، إلى جدثه ، وتبعه ثناء جميل ، وجزع كبير ، رحمه اللّه . ورثاه طائفة من طلبته ؛ وممّن أخذ عنه منهم ، القاضي أبو جعفر بن أبي حبل في قصيدة أولها : [ الطويل ] عزيز على الإسلام والعلم ماجد * فكيف لعيني أن يلمّ بها الكرى ؟ وما لمآقي لا تفيض شؤونها * نجيعا على قدر المصيبة أحمرا ؟ فو اللّه ما تقضي المدامع بعض ما * يحقّ ولو كانت سيولا وأبحرا حقيق لعمري أن تفيض نفوسنا * وفرض على الأكباد أن تتفطّرا أحمد بن عبد الولي بن أحمد الرعيني يكنى أبا جعفر ؛ ويعرف بالعوّاد ، صنعة لأبيه الكاتب الصالح . حاله : هو من بيت تصاون ، وعفاف ، ودين ، والتزام السّنّة ؛ كانوا في غرناطة في الأشعار ، وتجويد القرآن ، والامتياز بحمله ، وعكوفهم عليه ، نظراء بني عظيمة بإشبيلية ، وبني الباذش بغرناطة ؛ وكان أبو جعفر هذا ، المترجم له ممّن تطوى عليه الخناصر ، معرفة بكتاب اللّه ، وتحقيقا لحقه ، وإتقانا لتجويده ، ومثابرة على تعليمه ، ونصحا في إفادته ؛ على سنن الصالحين ، انقباضا عن الناس ، وإعراضا عن ذوي الوجاهة ، سنيّا في قوله وفعله ، خاصّيّا في جميع أحواله ، مخشوشنا في ملبسه ، طويل الصّمت إلّا في دست تعليمه ، مقتصرا في مكسبه ، متّقيا لدينه ، محافظا على أواده . سأل منه رجل يوما كتب رقعة ، ففهم من أمره ، فقال : يا هذا ، واللّه ما كتبت قطّ يميني إلّا كتاب اللّه ، فأحبّ أن ألقاه على سجيّتي بتوفيقه ، إن شاء اللّه ، وتسديده . مشيخته : قرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزّبير ، والأستاذ أبي جعفر الحزموني الكفيف ، وأبي عبد اللّه بن رشيد وغيرهم .