عمر بن محمد ابن فهد

372

إتحاف الورى بأخبار أم القرى

ويروى : أن فتيانا من قريش - من كل بطن رجل - أقبلوا بعصيّهم وهراويهم وسيوفهم حتى إذا كانوا من الغار مقدار أربعين ذراعا تعجّل رجل منهم لينظر في الغار ، فرأى الحمامتين بفم الغار ، فرجع إلى أصحابه ، فقالوا له : ما لك لم تنظر في الغار ؟ فقال : رأيت حمامتين وحشيتين بفم الغار فعلمت أنه ليس فيه أحد . فسمع النبي صلّى اللّه عليه وسلم ما قال ، فعلم أن اللّه قد درأ عنه بهما . فدعا لهما النبي صلّى اللّه عليه وسلم وشمت عليهما وفرض جزاءهما ، وانحدرن في الحرم ففرخن ، فأصل كل حمامة في الحرم من فراخهما « 1 » . وبال أميّة بن خلف عند باب الغار ، حتى جرى بوله بين يدي النبي صلّى اللّه عليه وسلم / وأبى بكر ، فأشفق أبو بكر أن يكونوا قد رأوه . فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلم : لا تحزن ؛ فإنهم لو رأونا لم يستقبلونا بفروجهم عند البول ، ولا تشاغلوا بشئ عن أخذنا . فقال الصديق للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : لو ولجوا علينا من فم الغار ما كنا نصنع ؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : لو ولجوا علينا منه كنا نخرج من ها هنا . وأشار بيده المباركة إلى الجانب الآخر - ولم يكن فيه شق - وانفتح للحين فيه باب واسع بقدرة اللّه تعالى ، وهو في صخرة جلمد صماء ، مما لا يؤثر فيها المعاول : فأما لها اللّه إلى اليوم ظاهرة لا يشكّ من رآها أنها لو ردّت لسدّت المكان ، ولا يختلف أحد أن ذلك الباب لو كان هنا لك حينئذ لرأته قريش جهارا ، وبكى أبو بكر وقال : يا رسول اللّه لو أنّ

--> ( 1 ) دلائل النبوة 2 : 214 ، والاكتفا 1 : 444 ، 445 ، والسيرة النبوية لابن كثير 2 : 240 ، 241 ، وسبل الهدى والرشاد 3 : 339 ، 340 ، وتاريخ الخميس 1 : 329 .