عمر بن محمد ابن فهد
286
إتحاف الورى بأخبار أم القرى
تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر : أخرجني قومي ، فأريد أن أسيح في الأرض ، وأعبد ربى . قال ابن الدغنة : فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج ؛ إنك لتكسب المعدوم ، وتصل الرحم ، وتحمل الكلّ ، وتقرى الضيف ، وتعين على نوائب الحقّ ؛ أنا لك جار ، ارجع واعبد ربك ببلدك . فرجع وارتحل معه ابن الدّغنة ، فطاف ابن الدّغنة عشيّته في أشراف قريش فقال لهم : إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج ، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ، ويصل الرحم ، ويحمل الكلّ ، ويقرى الضيف ، ويعين على نوائب الحق ؟ ! فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة وأنفذوه وأمّنوا أبا بكر ، وقالوا لابن الدّغنة : مر أبا بكر فليعبد ربه في داره ، فليصلّ بها وليقرأ ما شاء ، ولا يؤذينا بذلك ، ولا يستعلن بصلاته ، ولا يقرأ في غير داره . ثم بدا لأبى بكر فابتنى مسجدا بفناء داره ، وبرز فكان يصلى فيه ويقرأ القرآن ؛ فيتقصف « 1 » عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يتعجّبون منه وينظرون إليه . وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن ، وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين ؛ فأرسلوا إلى ابن الدغنة ، فقدم عليهم ، فقالوا له : إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربّه في داره ، وإنه قد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره ، وأعلن بالصلاة والقراءة فيه ، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا بهذا فانهه ، فإن أحبّ أن يقتصر على أن يعبد ربّه في داره فعل ، وإن أبى إلا أن يفعل / ذلك فاسأله أن يردّ عليك ذمّتك ؛ فإنا كرهنا أن نخفر ذمتك ، ولسنا مقرّين لأبى بكر بالاستعلان .
--> ( 1 ) تقصف القوم على الشئ : اجتمعوا وازدحموا عليه . ( المعجم الوسيط ، وشرح المواهب 1 : 289 )