عمر بن محمد ابن فهد

195

إتحاف الورى بأخبار أم القرى

يا علىّ ، فاصنع لنا صاعا من طعام ، واجعل عليه رجل شاة ، واملأ لنا عسّا من لبن ، ثم اجمع لي بنى عبد المطلب حتى أكلّمهم وأبلّغهم ما أمرت به . ففعلت ما أمرت به ، ثم دعوتهم له ، وهم يومئذ أربعون رجلا ، يزيدون رجلا أو ينقصون ، فيهم أعمامه : أبو طالب ، وحمزة ، والعباس ، وأبو لهب . وفيهم عشرون يأكل كلّ واحد منهم الجذعة ويشرب الفرق ، فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم فجئت به ، فلما وضعته تناول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حذيّة « 1 » من اللحم فنتفها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصّحفة ، ثم قال : كلوا باسم اللّه . فأكل القوم حتى ما لهم بشئ من حاجة ، وما أرى إلا موضع أيديهم ، وأيّم اللّه الذي نفس علىّ بيده إن كان الرجل الواحد ليأكل ما قدمت لجميعهم . ويروى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال لهم : ادنوا . فدنا القوم عشرة عشرة ، فأكلوا حتى صدروا ، ثم دعا باللبن فجرع منه جرعا ثم قال : اسق القوم . فجئتهم بذلك العسّ ، فشربوا منه حتى رووا جميعا ، وكأن لم ينقص منه شئ ، وأيّم اللّه الذي نفس علىّ بيده إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله . فلما أراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال : سحركم صاحبكم . فتفرّق القوم ولم يكلمهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « 2 » .

--> ( 1 ) الحذية : تصغير حذوة بضم الحاء وكسرها : وهي القطعة من اللحم . وقيل إذا كسرت الحاء كانت بمعنى أن يقطع اللحم طولا . سبل الهدى والرشاد 2 : 435 . ( 2 ) وانظر الخصائص الكبرى 1 : 309 ، وسبل الهدى والرشاد 2 : 434 .