إدريس الجعيدي السلوي

356

إتحاف الأخيار بغرايب الأخبار

الخلائق الذين كانوا هناك حتى كأنه النهار ، ويرى البعيد منهم كما يرى القريب ، ويرى ظلال المارين على الأرض وبالجدران كما ترى الظلال بالنهار ، وتعجبنا من عقول هؤلاء الشطار كيف تخيلوا وصيروا الليل كالنهار ، وليس ذلك من قبيل قلب الأبصار والأعيان ، بل هو محقق الوجود ظاهرة للعيان ، وبقي ذلك الشعاع منتشرا نحو خمس دقائق فقط ، ثم أخذ في النقص والرجوع فتقدمنا إلى أمام فوجدنا جماعة أخرى من أصحاب الموسيقا اشتغلوا بخدمتها عند وصولنا إليهم ثم أرسلوا شعاعا آخر من جدار آخر كالشعاع الذي تقدم وصفه ، وأشرف على الأرض وأضاءت به واستنارت كما وصف ، وأخبر الترجمان أن هذه الفرجة لا يصنعها أهل هذا البلد إلا عند حلول الأمير بها فرحا به ، وقد أمرهم المخزن بصنع هذه الفرجة لتعلموا من ذلك ما انطوت عليه قلوب الدولة من محبة سلطان الغرب سيدي حسن نصره الله ، وتعظيم جانبه الشريف وفرحا بقدومكم ، ولم نزل راجعين ونحن نجد في الطرق جماعة بعد جماعة من أصحاب الموسيقا . حتى وصلنا إلى دار فيها فرحة الطياطرو ، فطلب الترجمان من الباشدور الدخول إليها هنيئة ما ، فساعده فدخلنا فوجدنا جماعة من أصحاب الموسيقا ببراح اسطوان الدار ، فصعدنا في درج عديدة وكلما انعطفنا مع الدرج إلى جهة سمعنا جماعة أخرى تخدم الموسيقا حتى وصلنا إلى بيوت « 1 » الفرجة ، فدخل الباشدور لبيت مع الترجمان ، ودخل باقينا لبيوت غيرها ، فحين استقر بالباشدور / 305 / في محله ونحن قدامه ، أعرض الناس الذين هناك عن فرجة الطياطروا وأقبلوا بالتصفيق على الباشدور وعلينا ، يشيرون بذلك إلى فرحهم وانبساطهم وسرورهم بدخول الباشدور عليهم ، وتلك عادتهم « 2 » مهما استحسنوا شيئا وطابت به نفوسهم أخذوا في التصفيق إعلانا منهم بما يجدونه من الفرح والسرور وبموجبه الذي حملهم على ذلك ، وأتوا إلينا هناك أيضا بموائد الحلواء المعقودة على الثلج والأشربة الطيبة ، فتناولنا منها

--> ( 1 ) المستملحة التي أدرجها صاحب الرحلة سابقا جرت أحداثها بمسرح روما عند مشاهدتهم فرجة رقصة البالي Ballo . ( 2 ) إحدى العادات الأوربية التي لم تكن متداولة بكثرة عند المغاربة .