الذهبي

52

الأمصار ذوات الآثار

لم أفارقه ، ولكن سمعته يقول : من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار » « 1 » . لذا سار أئمة الهدى في تبليغهم طريقا عدلا وسطا ، فلم يحدثوا إلا بما اطمأنت إلى صحته نفوسهم ، ولم يجرءوا على كتم العلم ، حتى إن أبا هريرة رضي اللّه عنه قال : « لو وضعتم الصّمصامة « 2 » على هذه - وأشار إلى قفاه - ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل أن تجيزوا عليّ لأنفذتها » « 3 » . السبب الرابع : بناء الأمصار والمدن : لا ريب أن ينبوع الحضارة الزاهرة ، والنهضة العامرة ، يتفجر حيث الأمن ، والجماعة ، والاستقرار ، وهذه العناصر كانت تتفرد بالاتصاف بها المدن ، وحواضر البلدان . فقد قام الراشدون المهديون رضوان اللّه تعالى عليهم وكذلك الخلفاء ، والملوك ، والسلاطين من بعدهم ، ببناء الأمصار ، والمدن في مختلف أصقاع الأرض ، لتكون مركزا صالحا لتجمع الجند ، وانطلاقهم للفتوحات ، ولتكون أيضا مجمعا للناس ، ومأمنا لهم من أهل العبث والفساد . وعندما يأمن الناس من الشرور ، ويكفون مؤونة النفير لرد العدوان ، يتطلعون إلى الغذاء الروحي العظيم الذي هو العلم ، فكانت المدن والأمصار موئلا للعلوم ، ومنارا للفنون ، وكانت كثرتها باعثة على النهضة العلمية العريقة التي تميزت بها الأمة الإسلامية . ومن أهم تلك المدن والأمصار : مكة ، والمدينة ، والبصرة ، والكوفة ، وبغداد ، ودمشق ، والفسطاط ، والقاهرة ، والقيروان ، وفاس ، وقرطبة ،

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه ، في كتاب العلم ، باب 38 ، حديث 2 . ( 2 ) هي السيف الصارم الذي لا ينثني ، وقيل : الذي له حد واحد . فتح الباري 1 / 161 . ( 3 ) أخرجه الدارمي في سننه ، في المقدمة ، باب 46 ، حديث 4 ؛ وذكره البخاري في صحيحه تعليقا بصيغة الجزم ، في كتاب العلم ، باب 10 .