الذهبي

109

الأمصار ذوات الآثار

وتقدم التتار بعد ذلك - بأمر من ملكهم جنكيز خان - إلى بلاد خوارزم ، وبلاد خراسان الواسعة ، وبلاد الجبال ، وبلاد أذربيجان ، وبلاد أرّان ، وغيرها ففعلوا فيها مثل ما فعلوه في بلاد ما وراء النهر . ولا يشعر بعظم هذه المصيبة القاصمة إلا من علم ما كانت تشتمل عليه تلك البلاد من مدن وقرى كثيرة عامرة ، وما كانت تحويه هذه المدن والقرى من خلق عظيم لا يعلم عددهم إلا اللّه تعالى ، وما كان في هذا الخلق من علماء الدين ، وأئمة المسلمين ، وأحبارهم الذين تعجز الأسفار العظيمة عن الوفاء بأسمائهم فضلا عن تراجمهم . وليست هذه وحدها حادثة التتار ، بل إنهم لعنهم اللّه تقدموا في عهد ملكهم هولاكو إلى عاصمة الإسلام ، وقاعدة الدنيا ، وموئل الأنام ، بغداد ، فجاسوا خلال ديارها ، وقضوا على قضاتها وفقهائها وعلمائها - وناهيك بهم جلالة وكثرة - ودمروا مدارسها ، ومساجدها ، وربطها ، وجعلوا من خزائنها العظيمة ، ودور كتبها الحافلة طعمة للنيران ، ومعابر لخيولهم على دجلة ، ومرابط لحمرهم ، وقد ذكر ابن خلدون ، وابن الساعي ، والقلقشندي صورا من جرائمهم ، وعبثهم في مكتبات بغداد الضخمة وبخاصة بيت الحكمة ، فقال ابن خلدون : « وألقيت كتب العلم التي كانت بخزائنهم جميعها في دجلة ، وكان شيئا لا يعبر عنه » « 1 » . وقال ابن الساعي : « بنوا إسطبلات الخيول ، وطوالات المعالف بكتب العلماء عوضا عن اللبن » « 2 » . وقال القلقشندي : « خزانة الخلفاء العباسيين ببغداد : فكان فيها من الكتب ما لا يحصى كثرة ، ولا يقوم عليه نفاسة ، ولم تزل على ذلك إلى أن دهمت التتر بغداد ، وقتل ملكهم هولاكو المستعصم آخر خلفائهم ببغداد ، فذهبت خزانة الكتب فيما ذهب ، وذهبت معالمها ، وأعفيت آثارها » « 3 » .

--> ( 1 ) تاريخ ابن خلدون 3 / 537 . ( 2 ) خزائن الكتب القديمة في العراق لكوركيس عواد 102 نقلا عن مختصر أخبار الخلفاء المنسوب لابن الساعي . ( 3 ) صبح الأعشى 1 / 466 .