الذهبي
107
الأمصار ذوات الآثار
شدائدها ، وعايش وقائعها حيث كان بخوارزم ، ولما وصل إلى الموصل هاربا ، كتب إلى الوزير في حلب القاضي جمال الدين أبي الحسن القفطي رسالة بليغة طويلة ، يصف فيها حاله ، وحال البلاد التي عدا عليها التتار ، وعاثوا فيها الفساد ، ومن جملة ما فيها : « . . . إلى أن حدث بخراسان ما حدث من الخراب ، والويل المبير والتّباب ، وكانت لعمر اللّه بلادا مونقة الأرجاء ، رائعة الأنحاء ، ذات رياض أريضة ، وأهوية صحيحة مريضة ، قد تغنت أطيارها ، فتمايلت طربا أشجارها ، وبكت أنهارها ، فتضاحكت أزهارها ، وطاب روح نسيمها ، فصح مزاج إقليمها . . . وجملة أمرها أنها كانت أنموذج الجنة بلامين ، فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ العين ، قد اشتملت عليها المكارم ، وارجحنّت في أرجائها الخيرات الفائضة للعالم ، فكم فيها من حبر راقت حبره ، ومن إمام توّجت حياة الإسلام سيره ، آثار علومهم على صفحات الدهر مكتوبة ، وفضائلهم في محاسن الدنيا والدين محسوبة . . . أطفالهم رجال ، وشبابهم أبطال ، ومشايخهم أبدال ، شواهد مناقبهم باهرة ، ودلائل مجدهم ظاهرة . . . فجاس خلال تلك الديار أهل الكفر والإلحاد ، وتحكم في تلك الأبشار أولو الزّيغ والعناد ، فأصبحت تلك القصور ، كالممحوّ من السطور ، وآضت تلك الأوطان ، مأوى الأصداء والغربان ، تتجاوب في نواحيها البوم ، وتتناوح في أراجيها الريح السّموم . . . فإنا للّه وإنا إليه راجعون من حادثة تقصم الظهر ، وتهدم العمر ، وتفت في العضد ، وتوهي الجلد ، وتضاعف الكمد ، وتشيب الوليد . . . وجملة الأمر أنه لولا فسحة في الأجل ، لعز أن يقال سلم البائس - ( يقصد ياقوت نفسه ) - أو وصل ، ولصفق عليه أهل الوداد صفقة المغبون ، وألحق بألف ألف ألف ألف ألف هالك بأيدي الكفار أو يزيدون . . . » « 1 » انتهى . فهذه صورة وجيزة صادقة عن حال تلك البلاد قبل خروج التتار ، وما آلت
--> ( 1 ) وفيات الأعيان 6 / 134 - 137 .