خير الدين التونسي

5

أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك

[ الجزء الأول ] تقديم إن المتأمل في تجربة خير الدين التونسي من خلال كتابه « أقوم المسالك » ، يلمس دعوته إلى التجديد والإضافة في مختلف أوجه الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في تونس . فقد دلت تلك التجربة على أن المشروع النهضوي يجب أن يبنى وفق أسس عقلانية واضحة ، وعن طريق الرغبة في الاستفادة من المنجزات الحضارية للأمم الأخرى ، ومن هنا انبثقت فكرة كتاب خير الدين « أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك » ، فهو مؤلّف متنوّع المصادر ، متعدّد المداخل ، إذ كان خير الدين التونسي يؤمن إيمانا ثابتا أن بناء مشروع نهضوي تحديثي يستوجب استيعاب مختلف التوترات الاجتماعية والسياسية السائدة في البلاد آنذاك ، كما يستدعي الانفتاح على الآخر المختلف والاقتداء بتجاربه . ولقد استطاع خير الدين أن يبلور برنامجه الاصلاحي في كتابه « أقوم المسالك » بشكل عقلاني فيه الكثير من الوضوح والجرأة ، وهذا ما أكسبه قيمة علمية وتوثيقية هامة وجعله مرجعا أساسيا في كل الأوقات والعهود داخل الوطن العربي وخارجه . ولئن كانت الوقائع المسجلة ابان تأليف الكتاب تثبت عدم قدرة خير الدين على تطبيق مجمل ما جاء في كتابه من أفكار تحررية ورؤى سياسية ، بسبب تعدّد المناورات السياسية وكثرة المناوئين لهذا الخط الاصلاحي ، فإن الكتاب لفت انتباه الصفوة العلمية والسياسية آنذاك وما يزال إلى اليوم يعدّ من أبرز المؤلفات في ميدان اصلاح أنظمة الحكم والدعوة إلى تطبيق مبادئ العدل والمساواة .