محمد عبد المنعم خفاجي
370
الأزهر في ألف عام
الذي لا ينفع ، أو الأدب الماجن الذي لا يرفع ، ذلكم إلى طغيان الأدب الأوروبي بمذاهبه ونزعاته وترهاته على عقول النائين الذين ثقفوا هذه الثقافة الأدبية الهشة ففتنتهم عن أدبهم وصرفتهم عن تاريخهم ، فالمتفرنسون منهم يعرفون هوجو ولا يعرفون المتنبي ، ويدرسون فولتير ولا يدرسون الجاحظ ، ويقرءون لا مرتين ولا يقرءون البديع ، ومن هنا نشأت هذه التبعية التي فرضها الشباب على أدبنا لأدب الغرب ، فأساليبهم الكتابية اليوم هي أساليب الكتابة في الغرب ، ومذاهبهم الأدبية هي مذاهب الأدب في الغرب ، ومقاييسهم النقدية هي مقاييس النقد في الغرب ، حتى الرمزية وهي بنت الأفق الغائم والنفس المعقدة واللسان المغمغم يريدون أن تتبناها العربية بنت الصحراء المكشوفة والشمس المشرقة والطبع الصريح ، وحتى الوجودة وهي بنت الخلق المنحل والذوق المنحرف والغريزة الحرة ، يحاولون أن تتقبلها العربية لغة الرسالة الإلهية التي كرمت الإنسان وفصلته من سائر الحيوان بحدود من الدين والخلق لا يتعداها وهو عاقل ، ولا يتحداها وهو مؤمن . ليس الأمر في الأدب كالأمر في العلم ، الأدب للنفس والعلم للناس ، الأدب مواطن والعلم لا وطن له ؛ الأدب روح في الجسد ودم في العروق يكون شخصية الفرد فيحيا مستقلا بنفسه ، ويبرز شخصية الشعب فيحيا متميزا بأفراده ، الأدب جنس ولغة وذوق وبيئة وعقلية وعقيدة وتاريخ وتقاليد . والعلم شيء غير أولئك كله ، فإذا جاز طبعا أن نأخذ من غيرنا ما يكمل نقصنا من العلم ، فلا يجوز قطعا أن نأخذ من هذا الغير ما يمثل أنفسنا من الأدب . إن دراسة العربية على النهج الصحيح المنتج بعد المدرسة لا يكلف المتأدبين من الجهد والزمن أكثر مما تكلفهم دراسة الفرنسية والإنجليزية : ولكنهم في عصر السرعة يطلبون القريب ويتوخون السهل ويتخطفون العلم ويتعجلون الإنتاج ، ثم يحقدون على من يلزمونهم التأني ويجشمونهم الدرس ويقولون لهم إن أحدا لا يعرف في تاريخ الآداب القديمة والحديثة