محمد عبد المنعم خفاجي
28
الأزهر في ألف عام
وجودهم وأن يتناولوا الأمة من ناحية قلوبها وأرواحها ، وأن يعدوا تلاميذهم في الأزهر كما يعدون القوانين الدقيقة لا طلابا يرتزقون بالعلم . أين صوت الأزهر وعمله في هذه الحياة المائجة بما في السطح وما في القاع . . . وأين وحي هذه القوة التي ميثاقها أن تجعل النبوة كأنها شيء واقع في الحياة العصرية لا خبر تاريخي فيها . ؟ لقد أصبح إيمان المسلمين كأنه عادة الإيمان لا الإيمان نفسه ، ورجع الإسلام في كتبه الفقهية وكأنه أديان مختلفة متناقضة لا دين واحد . فرسالة الأزهر أن يجدد عمل النبوة في الشعب ، وان ينقى عمل التاريخ في الكتب ، وأن يبطل عمل الوثنية في العادات ، وأن يعطي الأمة دينها الواضح السمح الميسر وقانونها العملي الذي فيه سعادتها وقوتها ، ولا وسيلة إلى ذلك إلا أن يكون الأزهر جريئا في قيادة الحركة الروحية الإسلامية ، جريئا في عمله لهذه القيادة ، آخذا بأسباب هذا العمل ، ملحا في طلب هذه الأسباب . مصرا على هذا الطلب . وكل هذا يكون عبثا إن لم يكن رجال الأزهر وطلبته أمثلة من الأمثلة القوية في الدين والخلق والصلابة لتبدأ الحالة النفسية فيهم ، فإنها إن بدأت لا تقف ، والمثل الأعلى حاكم بطبيعته على الإنسانية مطاع بحكمه فيها . محبوب بطاعتها له . والمادة المطهرة للدين والأخلاق لا تجدها الأمة إلا في الأزهر ، فعلى الأزهر أن يثبت أن فيه تلك المادة بإظهار عملها لا بإلصاق الورقة المكتوب فيها الاسم على الزجاجة . . ومن ثم يكون واجب الأزهر أن يطلب الإشراف على التعليم الإسلامي في المدارس وأن يدفع الحركة الدينية دفعا بوسائل مختلفة : أولها أن يحمل وزارة المعارف على إقامة فرض الصلاة في جميع مدارسها ، وأن يقود مدرسة حرية الفكر . . والأمة الإسلامية كلها تشد رأي الأزهر في هذا . وإذا نحن استخرجنا التفسير العملي لهذه الآية الكريمة : « ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ » دلتنا الآية بنفسها على كل تلك الوسائل ، فما الحكمة هنا إلا السياسة الاجتماعية في العمل . وليست الموعظة الحسنة إلا الطريقة النفسية