محمد عبد المنعم خفاجي

35

الأزهر في ألف عام

فكان السيد رشيد البطل المعلم في هذا الموطن الشريف ، تلقي فيه بصدره كل ما يتلقاه المصلحون من الجامدين ، وكان لجهاده أثر بعيد في تبصير المسلمين بسماحة دينهم ، وببقاء باب الاجتهاد فيه مفتوحا إلى يوم يبعثون . وكان تلميذ الأستاذ محمد عبده ، وحامل لواء الإصلاح الديني من بعده ، ولا بدع فإن أربعين سنة قضاها الفقيد الكريم في تحرير المنار يفسر كتاب اللّه على طريقة الإمام ويبسط أحاديث الرسول على نهج السلف ، ويحرر الفتاوى في المسائل الدينية المختلفة ، ويقطع ألسنة المبشرين والملحدين بالأدلة النواهض ، ويجلو عن الشريعة ظلام الشبه بالعقل المنير ، ويزيد في ثروة الأدب الإسلامي بالمصنفات القيمة ، حرية أن تحله من قلوب المؤمنين موضع التجلة ، وتبوئه من صفحات التاريخ مكان الأئمة . ولد الفقيد في قرية ( القلمون ) إحدى قرى لبنان القريبة من طرابلس ، فتلقى العلم طفلا ويافعا في هذه المدينة ، ثم هاجر إلى مصر ، فدخل الأزهر واتصل بالإمام محمد عبده اتصالا وثيقا ، فأشار عليه أن يصدر ( المنار ) فكانت سجلا لآراء الأستاذ الاجتهادية في حياته ، واستمرارا لدعوته الإصلاحية بعد مماته . ثم أسهم في النهضة العربية واتصل بجمعياتها السرية في أطوارها المختلفة من سنة 1908 إلى قيام الحرب الكبرى . فلما أعلنت الهدنة عاد إلى سورية فانتخب رئيسا للمؤتمر السوري الذي نادى بالأمير فيصل ملكا ، ثم ظل في خدمة هذه الدولة العربية الجديدة حتى ثل عرشها الفرنسيون سنة 1920 ، فارتد إلى القاهرة يحرر المنار ويعالج التأليف ، فأصدر طائفة من الكتب القيمة أشهرها تكملة تفسير الإمام على هديه ووحيه ، ثم الجزء الأول من تاريخ الإمام وكان قد أصدر منه جزءه الثاني فيما قاله ، والثالث فيما قيل فيه ، ثم كتابه « الوحي المحمدي » . وكان علما من أعلام الدين والعلم ، وتلميذ محمد عبده الوفي ،