محمد عبد المنعم خفاجي

243

الأزهر في ألف عام

وشيد الأزهر وتم تشييده في عامين وافتتح فعلا للصلاة في 7 رمضان عام 361 ه وقام رجال الدولة بإلقاء المحاضرات العامة فيه بين حين وحين إلى أن تولى العزيز بن المعز لدين اللّه العرش ( من عام 365 إلى 386 ه ) فاتجه بعنايته إلى الأزهر وجعله معهدا علميا منظما ، شمله برعايته الكاملة ، واختار للدراسة فيه أساطين الفقه الشرعي من شتى أنحاء العالم الإسلامي وأحاطهم بشتى أسباب الرعاية والتقدير وكان من بين هؤلاء وزير العزيز باللّه يعقوب بن كلس « 1 » . وقام الأزهر بما طلبته منه الدولة ، وما هيأته له ، فأخذ ينشر العقيدة الإسماعيلية ويدرس مبادئها السياسية وتشريعاتها الفقهية ، وأصولها المذهبية واتجاهاتها الفكرية فضلا عن عنايته بالكثير من الدراسات العقلية واللغوية والأدبية - وصار أعظم بيئة علمية وأحفلها في الشرق الإسلامي بهذه الدراسات ، التي خرج فيها جيلا جديدا من العلماء الذين أصبحوا يد الدولة ودعاتها وقوام الحياة السياسية والاجتماعية والعقلية والأدبية فيها ، كانت الدولة الفاطمية تشمل بنفوذها السياسي حوض البحر الأبيض الأفريقي كله من مراكش إلى الشام ، فضلا عن الحجاز ويهفو إليها جميع الإسماعيليين في العراق وإيران والهند بقلوبهم ، ويتجهون إليها بشعورهم وكان الأزهر هو المثابة العظيمة للعلم والتفكير والثقافة في هذه الأقطار كلها ، وهو الذي يحمل مشعل النور والهداية إلى سائر هذه الأمصار ، ووفدت إليه أفواج الشباب من شتى هذه الأرجاء ، ترتوي من معينه - وتقتبس من نوره وتهتدي بهديه ، وتضافرت هذه العوامل الأجنبية والسياسية والفكرية كافة على تكوين شخصية مستقلة لهذه الجامعة الجديدة ، ظهر أثرها الفذ في الثقافة الإسلامية في مصر وجاراتها الشقيقة على عهد الدولة الفاطمية . ومن العبث أن نوازن بين الأزهر حينئذ وبين المدرسة النظامية التي كان يدرس فيها أقطاب العلماء ببغداد كالغزالي وسواه ، لأن مواد هذه

--> ( 1 ) من محاضرة ألقاها المؤلف عام 1940