محمد عبد المنعم خفاجي
171
الأزهر في ألف عام
المدنية إلى جانب العلوم الدينية بصورة منتظمة . فمثلا نرى بين أساتذة الأزهر في هذه الفترة العلامة عبد اللطيف البغدادي يدرس الطب والفلسفة والمنطق مدى حين « 1 » . بيد أنه لا ريب أن صفة الأزهر الدينية كانت وما زالت تغلب على كل صفة أخرى ، وأن علوم الدين كانت وما زالت خلال العصور تحتل المقام الأول . وهذه خاصة لم ينفرد بها الأزهر في العصور الوسطى . ذلك أن الحركة العقلية كانت خلال هذه العصور ترتبط في جميع الأمم بالدين أشد ارتباط ، وكانت الأديرة مراكز الدراسة في أوروبا والأحبار هم قادة الفكر . بيد أنه لما تقدمت الحركة الفكرية ، وتسربت النظريات الفلسفية إلى تعاليم الكنيسة ، أخذت سيطرة الدين على حركة التعليم تضعف شيئا فشيئا . ولم تلبث الجامعة الأوروبية أن نشأت منذ القرن الثاني عشر ثم أخذت تقوى ويشتد ساعدها وتسير نحو استقلالها ، واضطرت الكنيسة أن تناصر هذا الاستقلال ، طالما كان بعيدا عن الاصطدام بتعاليمها وتقاليدها ، وذلك خوفا من أن يقع التعليم تحت سيطرة أمير أو حاكم مطلق يوجهه نحو خصومتها . ولم يأت ختام العصور الوسطى حتى كانت الجامعة الأوروبية قد حققت استقلالها العلمي ، وأخذت تسير نحو النور والحقيقة ، بعيدة عن المؤثرات الدينية والسياسية ما استطاعت إلى ذلك سبيلا . وقد كان التعليم الجامعي يميل منذ البداية نحو التخصص ، وكانت الدراسة تجرى تقريبا على نفس الأساليب التي كانت تتبع في الأزهر وباقي المعاهد الإسلامية من الاستيعاب والتخصص ، مثال ذلك جامعة بولونيا التي اشتهرت في القرن الثاني عشر بتوفر أساتذتها وطلبتها على دراسة القانون الروماني ووضع حواشيه الشهيرة .
--> ( 1 ) ترجمة عبد اللطيف البغدادي في « مناقب الأطباء » لابن أبي صبيعة فيما يرويه عبد اللطيف عن نفسه ، ونفس هذه الترجمة في كتاب « الإفادة والاعتبار » لعبد اللطيف .