شهاب الدين بن العماد الأقفهسي
11
أخبار نيل مصر
اصطلح على تسميته استبحار الأراضي ، وفي هذه الحالة يعقب انصراف تلك الزيادة حدوث الأوبئة والأمراض بمصر « 1 » . أما إذا نقصت مياه النهر عن حد الوفاء ، فإن ذلك يعتبر نذيرا بحدوث المجاعة لنقص الزروع والأقوات ، ثم يعقب ذلك حدوث الوباء ، وتفشى حالات الموت الجماعي ، واضطراب أحوال البلاد وانتشار الفوضى والقلاقل . ومن الملاحظ أيضا على بعض كتابات علماء المسلمين عن نهر النيل ، أنهم حاولوا إرجاع زيادة أو نقص مياه النيل إلى حركة الشمس والقمر في البروج السماوية ، « بسبب النور والظلمة ، والبدر والمحاق » « 2 » ، فارجعوا زيادة ماء النيل إلى المد الذي يكون في البحر ؛ فإذا فاض ماء البحر تراجع النيل وفاض على الأراضي ، وفسروا ذلك بأن حركة البحر التي أطلق عليها « المد والجزر » تحدث في كل يوم وليلة مرتين ، وفي كل شهر قمري مرتين ، وفي كل سنة مرتين « 3 » . بل إن بعض الجغرافيين ذكر في مؤلفه أنه لمعرفة زيادة النيل أو نقصانه في كل سنة قبل حدوثها ، فإن ذلك يستطلع ويستنتج من حركة القمر والشمس في البروج ، وقسم البروج إلى نارية ، وترابية ، ومائية ، وهوائية . وذكر أن القمر إذا كان في البروج النارية فهذا يدل على قلة الماء ونقصانه ، وإن كان القمر في البروج الترابية تكون مياه النيل متوسطة ، وإن كان القمر في البروج المائية فهذا يدل على كثرة مياه النيل وتوقع حدوث استبحار الأراضي ، أما إذا كان القمر في البروج الهوائية فإن مياه النيل تكون كثيرة المنافع قليلة الضرر « 4 » . ومن الجدير بالذكر أن زيادة النيل كان يستدل بها عن حالة الثروة القومية للبلاد في كل سنة . لذلك كان من الطبيعي أن يهتم المصريون منذ أقدم العصور بمقاييس النيل التي بنوها على النهر من أسوان حتى القاهرة . وهذه المقاييس بنيت لقياس مستوى المياه
--> ( 1 ) المسعودي : مروج الذهب ، ج 1 ، ص 342 . ( 2 ) المسعودي : مروج الذهب ، ج 1 ، ص 98 . ( 3 ) لمزيد من التفاصيل عن المد والجزر اليومى والشهري والسنوي راجع ما ذكره المقريزي في الخطط ، ج 1 ، ص 54 - 55 . ( 4 ) المنوفى : الفيض المديد في أخبار النيل السعيد ، ص 17 - 18 ؛ راجع أيضا الخطط ، ج 1 ، ص 67 - 68 .