محمد بن اسحاق ابن العباس الفاكهي المكي

13

أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه

بينا نحن مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم بمكة وهو يسرّ الإسلام ، ومعه عصابة من المسلمين ، إذ هتف هاتف على بعض جبال مكة من الليل ، وفتية من المشركين يسمعون صوته ويعرفون قوله ، وهو يقول : قبّح اللّه رأي كعب بن فهر * ما أدقّ العقول والأحلام بينها باهي يعيب عليها * دين آبائها الحماة الكرام حالف الحيّ حليف نصر * عليهم ، ورجال النخيل والآكام توشك الخيل أن تروها جهارا * تقتل القوم في البلاد التهامي هل كريم منكم له نفس حرّ * ماجد الوالدين والأعمام ضاربا ضربة تكون نكالا * ورواحا من كربة واغتمام قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : قال عامر بن ربيعة : فوثب المشركون علينا وهمّوا بنا . قال : فلما بلغ النبي صلّى اللّه عليه وسلم صياح الصائح ، قال عامر بن ربيعة : هذا شيطان فيمن يدخل في الأوثان ، ويكلّمهم فيها ، ولم يعلن شيطان بتحريض على نبي قطّ إلّا قتله اللّه - تعالى - . قال عامر بن ربيعة - رضي اللّه عنه - : فمكثنا ثلاث ليال ثم دخل علينا النبي صلّى اللّه عليه وسلم في بيت عند الصفا - كنا نجتمع فيه - مسرورا ، فقال : « أشعرتم أنّ اللّه - عزّ وجلّ - قتل الشيطان المحرّض عليكم ، قتله رجل من عفاريت الرجل ، يدعى : سمحجي ، فأسميته : عبد اللّه ، لم يزل في طلبه منذ ثلاث حتى ظفر به البارحة ، فقتله » . قال عامر بن ربيعة : فلما أمسينا من ليلة أخبرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم صادقا مصدّقا ، هتف هاتف بالمكان الذي هتف فيه الشيطان فقال : نحن قتلنا مسعرا ، لمّا طغى واستكبرا * وصغر الحقّ وسنّ المنكرا