محمد بن اسحاق ابن العباس الفاكهي المكي

18

أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه

وأجاب الآخر ، وأقررت بالتزويج ، وأقرّت المرأة ، ودعوا بالبركة ، ثم نهضا ، فاستحييت أن أحمّل الجارية مؤونة من الدنيا ، فدفعت إليها دينارا آخر ، فقلت : هذا لطيبك . قالت : يا فتى « 1 » لست ممن يمس طيبا لرجل ، إنما أتطيب لنفسي إذا خلوت ، فقلت : اجعلي هذا لغدائنا اليوم ، قالت : أما هذا فنعم . ونهضت الجارية ، وأمرت بصلاح ما نحتاج إليه ، ثم عادت ، وتغدّينا ، وجاءت بدواة وقضيب ، وقعدت تجاهي ، ودعت بنبيذ قد أعدّته ، واندفعت تغنينا بصوت لم أسمع قط بمثله ، وما سمعت بمثل ترنمها لأحد ، فكدت أن أجنّ سرورا وطربا ، وجعلت أريغ ان تدنو مني فتأبى ، إلى أن تغنّت بشعر لا أعرفه : راحوا يصيدون الظّباء وإنّني * لأرى تصيّدها عليّ حراما أعزز عليّ بأن أروّع شبهها * أو ان يذقن على يديّ حماما [ فقلت ] « 2 » : جعلني اللّه فداك ، من تغنّى بهذا الشعر ؟ قالت : جماعة اشتركوا فيه ، هو لمعبد وتغنّى به ابن سريج ، وابن عائشة ، فلما غلب عليها النبيذ [ وجاء ] « 3 » المغرب تغنّت ببيت لم أفهم معناه للشقاء الذي كتب على رأسي ، والهوان الذي أعدّ لي : كأنّي بالمجرّد قد علته * نعال القوم أو خشب السّواري / فقلت : جعلت فداك ، ما أفهم هذا الشعر ؟ ولا أحسبه مما يتغنّى به . فقالت : أنا أوّل من تغنّى فيه . قلت : إنما هو بيت عائر « 4 » ! قالت : معه

--> ( 1 ) في العقد ( يا أخي ) . ( 2 ) في الأصل ( فقالت ) . ( 3 ) في الأصل ( وجاءت ) . ( 4 ) عائر : لا يعرف من قائله . يقال للسهم : عائر ، إذ لم يدر راميه . وكذا الحجارة . وجمعها : عوائر . تاج العروس 3 / 428 . وجاءت هذه اللفظة في العقد ( عابر ) بالباء .