محمد بن اسحاق ابن العباس الفاكهي المكي

373

أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه

وخرج إلينا فأصحر لنا ، فإما أن يظفر ، وإما أن نظفر به ، فيستريح الناس من هذا الحصر ، قال : فدخل القوم المسجد ، وقد كفوا رمي المنجنيق ، فمروا بابن الزبير - رضي اللّه عنهما - وهو قائم يصلي خلف المقام ، فتركوه حتى طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة ، ثم عادوا إليه ، فذكروا له ما قال لهم الحجاج ، فقال ابن الزبير - رضي اللّه عنهما - : لو كان لهذا كارها لم يرم الكعبة نفسها ، واللّه ما تقع حجارته إلا فيها . قال : فنظر القوم إلى الكعبة متوهّنة من الحجارة . قال الواقدي : وحدّثني عمر بن سعيد بن أبي حسين ، عن عبد اللّه « 1 » ، مولى أسماء بنت أبي بكر - رضي اللّه عنهما - قالت : لما كان قبل قتل ابن الزبير - رضي اللّه عنهما - بيوم قالت أمه : خذلوه وأحبّوا الحياة ، ولم ينظروا لدينهم ولا لاحسابهم ، ثم قامت تصلي وتدعو ، وتقول : الّلهم إنّ عبد اللّه بن الزبير كان معظّما لحرمتك ، كريه إليه أن تعصى ، وقد جاهد فيك أعداءك ، وبذل مهجة نفسه لرجاء ثوابك ، الّلهم فلا تخيّبه ، الّلهم إرحم طول ذلك السجود والنحيب / وطول ذلك الظمأ في الهواجر ، الّلهم لا أقول ذلك تزكية له ولكنه الذي أعلم وأنت أعلم به ، الّلهم وكان برّا بالوالدين . قال : فلما أصبحنا يوم الثلاثاء جاء أمّه فودعها ، ثم خرج من عندها ، فأصابته رمية فوقع ، فتغاور عليه فقتلوه « 2 » . قال الواقدي : وحدّثني موسى بن يعقوب ، عن عمه ، أبي الحارث « 3 » قال : إنّ أسماء - رضي اللّه عنها - قالت له : تصبر للّه فانصرف من عندها وهو يقول :

--> ( 1 ) هو : ابن كيسان . ( 2 ) الطبري 7 / 204 ، وتهذيب ابن عساكر 7 / 421 . ( 3 ) هو : يزيد بن عبد اللّه بن وهب الزمعي .