زكريا القزويني

70

آثار البلاد واخبار العباد

بغلته أن تشرب منه فمنعها . وذكر بشر بن عبد اللّه أن طاووسا مرّ بالسوق فرأى رؤوسا مشويّة بارزة الأسنان فلم ينعس تلك الليلة ، وقال إن اللّه تعالى يقول : تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون . وقال منعم بن إدريس : صلّى طاووس اليماني صلاة الفجر بوضوء العتمة أربعين سنة . توفي سنة ستّ ومائة بمكّة قبل يوم التروية عن بضع وتسعين سنة . وكان الناس يقولون : رحم اللّه أبا عبد الرحمن ، حجّ أربعين حجّة وصلّى عليه هشام بن عبد الملك ، وهو خليفة حجّ تلك السنة . ومنها أويس بن عامر القرني . روى أبو هريرة عن رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، أن للّه تعالى من خلقه الأصفياء الأحفياء ، الشعثة شعورهم الغبرة وجوههم الخمصة بطونهم ، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذنوا ، وإن خطبوا المنعّمات لم ينكحوا ، وإن غابوا لم يفتقدوا ، وإن طلعوا لم يفرح بطلعتهم ، وإن مرضوا لم يعادوا ، وإن ماتوا لم يشهدوا . قالوا : يا رسول اللّه كيف لنا برجل منهم ؟ قال : ذاك أويس القرني ! قالوا : وما أويس القرني ؟ قال : أشهل ذو صهوبة بعيد ما بين الكتفين معتدل القامة ، آدم شديد الأدمة ، ضارب بذقنه إلى صدره ، رام ببصره إلى موضع سجوده ، واضع بيمينه على شماله ، يتلو القرآن ، يبكي على نفسه ، ذو طمرين لا يؤبه له ، متّزر بإزار صوف ورداء صوف ، مجهول في أهل الأرض معروف في أهل السماء ، لو أقسم على اللّه لأبرّ قسمه ! الا وان تحت منكبه الأيسر لمعة بيضاء ، الا وانّه إذا كان يوم القيامة قيل للعباد : ادخلوا الجنّة ، وقيل لأويس : قف واشفع ! يشفّعه اللّه ، عزّ وجلّ ، في مثل عدد ربيعة ومضر . يا عمر ويا عليّ إذا أنتما لقيتماه فاطلبا إليه أن يستغفر لكما . فكانا يطلبانه عشرين سنة ، فلمّا كان سنة هلك فيها عمر قام على أبي قبيس ونادى بأعلى صوته : يا أهل الحجيج من اليمن ، أفيكم أويس ؟ فقام شيخ كبير وقال : إنّا لا ندري ما أويس ، لكن لي ابن أخ يقال له أويس ، هو أخمل ذكرا وأقلّ