زكريا القزويني
615
آثار البلاد واخبار العباد
أنّها دالّة على الكائنات المستقبلة ، وما تنذر به تلك الجواهر من الآثار والحوادث قبل كونها ، وظهور أصوات من أعاليه وما كان يلحقهم عند سماع ذلك ! حكى أحمد بن فضلان لمّا أرسله المقتدر باللّه إلى ملك الصقالبة ، وقد أسلم ، حمل إليه الخلع . وذكر من الصقالبة عادات عجيبة منها ما قال : دخلنا عليه وهو جالس على سرير مغشى بالديباج ، وزوجته جالسة إلى جانبه ، والأمراء والملوك على يمينه ، وأولاده بين يديه ، فدعا بالمائدة فقدّمت إليه وعليها لحم مشوي ، فابتدأ الملك : أخذ سكينا فقطع لقمة أكلها ثمّ ثانية ثمّ ثالثة ثمّ قطع قطعة دفعها إليّ : فلمّا تناولتها جاؤوا بمائدة صغيرة ووضعت بين يديّ ، وهكذا ما كان أحد يمدّ يده إلى الأكل حتى أعطاه الملك ، فإذا أعطاه الملك جاؤوا له بمائدة صغيرة وضعت بين يديه ، حتى قدم إلى كلّ واحد مائدة لا يشاركه فيها أحد . فإذا فرغوا من الأكل حمل كلّ واحد مائدته معه إلى بيته . ومنها أن كلّ من دخل على الملك من كبير أو صغير حتى أولاده وإخوته ، فساعة وقوع نظرهم عليه أخذ قلنسوته وجعلها تحت إبطه ، فإذا خرج من عنده لبسها ، وإذا خرج الملك لم يبق أحد في الأسواق والطرقات إلّا قام وأخذ قلنسوته من رأسه وجعلها تحت إبطه ، حتى إذا جاوزهم تقلنسوا بها . ومنها أنّه إن رأوا أحدا عليه سلاحه وهو يبول أخذوا سلاحه وثيابه وجميع ما معه ، وحملوا ذلك على جهله وقلّة درايته ، ومن جعل سلاحه ناحية حملوا ذلك على درايته ومعرفته ولم يتعرّضوا له . ومنها ما ذكر أنّه قال : رأيت الرجال والنساء ينزلون في النهر ويغتسلون عراة ، لا يستتر بعضهم من بعض ولا يزنون البتّة . والزنا عندهم من أعظم الجرائم ، ومن زنى منهم كائنا من كان ضربوا له أربع سكك وشدّوا يديه ورجليه إليها ، وقطعوا بالفأس من رقبته إلى فخذيه ، وكذلك بالمرأة ، ويفعلون مثل ذلك بالسارق أيضا . ومنها ما ذكره أبو حامد الأندلسي أن أحدهم إذا تعرّض لجارية الغير أو