زكريا القزويني

588

آثار البلاد واخبار العباد

فلمّا أيسوا من أمنهم تأهّبوا للقتال وقالوا : نحن كلّنا مقتولون فلا نقتل إلّا في المعركة بعدما قتل كلّ منّا بدله ! فركبوا برجالهم ونسائهم وحملوا على المسلمين حملة رجل واحد ، وكشفوهم كشفا قبيحا وهزموهم ، وأخذوا السلطان ودخلوا بلاد خراسان وخرّبوها ، ونهبوا وسبوا . وكان ذلك سنة ثمان وأربعين وخمسمائة والسلطان بقي في أسرهم سنة ثمّ هرب . وحكى مسعر بن مهلهل أن لهم مدينة من الحجارة والخشب والقصب ، ولهم بيت عبادة ، ولهم تجارات إلى الهند والصين . ومأكولهم البرّ ولحم الغنم ، وملبوسهم الكتان والفراء . بها حجر أبيض ينفع من القولنج ، وحجر أحمر إذا أمرّ على النصل لم يقطع شيئا . وبلادهم مسيرة شهر واحد . بلاد كيماك هم قوم من الترك ، بلادهم مسيرة خمسة وثلاثين يوما ، وبيوتهم من جلود الحيوان . مأكولهم الحمص والباقلّى ولحم الذكران من الضأن والمعز ، ولا يأكلون الإناث . بها عنب نصف الحبّة أبيض ونصفها أسود ، وبها حجارة يستمطر بها متى شاؤوا . وعندهم معادن الذهب في سهل من الأرض يجدونه قطاعا . وعندهم الماس يكشف عنه السيل . وعندهم نبات ينوّم ويخدر . وليس لهم ملك ، ولا بيت عبادة . ولهم قلم يكتبون به . ومن يجاوز منهم ثمانين سنة عبدوه إلّا أن يكون به عاهة . بها جبل يسمّى منكور ، به عين في حفرة ، قال أبو الريحان الخوارزمي في كتابه الآثار الباقية : إن هذه الحفرة مقدار ترس كبير ، وقد استوى الماء على حافاتها ، فربّما يشرب منه عسكر كثير لا ينقص مقدار إصبع ، وعند هذه العين صخرة عليها أثر رجل إنسان ، وأثر كفّيه بأصابعهما وأثر ركبتيه كأنّه كان ساجدا ، وأثر قدم صبي وحوافر حمار . والأتراك الغزية يسجدون لها إذا رأوها لأنّهم نصارى ، ينسبونه إلى عيسى ، عليه السلام .