زكريا القزويني

578

آثار البلاد واخبار العباد

ويحكّ جبهته حكّا شديدا ، فيستلذّ الجرو بذلك ، همّ يضع النشيل وسط رأسه ويأخذ مطرقة من حديد قويّة ، ويضرب بها على النشيل بأتمّ قوّة ثلاث ضربات ، فلا يحسّ بالضربة الأولى وبالثانية ، والثالثة يضطرب اضطرابا شديدا ، فربّما صادف بذنبه شيئا من المراكب فيعطبها ، ولا يزال يضطرب حتى يأخذه اللغوب . ثمّ يتعاون ركاب المراكب على جذبه حتى يصير إلى الساحل . وربّما أحسّت أمّ الجرو باضطرابه فتتبعهم ، فيستعدّون بالثوم الكثير المدقوق ويخوّضون به الماء ، فإذا شمّت رائحة الثوم استبعثتها ورجعت القهقرى إلى خلف ، ثمّ يقطعون لحم الجرو ويملّحونه . ولحمه أبيض كالثلج وجلده أسود كالنقس . باكويه مدينة بنواحي دربند بقرب شروان . بها عين نفط عظيمة تبلغ قبالتها في كلّ يوم ألف درهم ، وإلى جانبها عين أخرى تسيل بنفط أبيض كدهن الزئبق ، لا تنقطع نهارا ولا ليلا ، تبلغ قبالتها مثل الأولى . من عجائبها ما ذكر أبو حامد الأندلسي أن بها أرضا ليس في ترابها حرارة كثيرة يجدها الإنسان ، والناس يصيدون الغزلان وغيرها ويقطعون لحمها ويجعلونه في جلودها مع الملح وما شاؤوا من الأبازير ، ويأخذون أنبوبة من القصب الغليظ النافذ ، ويشدّون القصب على جلد الصيد ويدفنونه تحت ذلك التراب ، ويتركون القصب خارجا فتخرج مائية اللحم كلّها من القصبة ، فإذا نفدت المائية علموا أن اللحم قد نضج فيخرجونه وقد تهرّأ . وحكى بعض التجّار انّه رأى بها نارا لا تزال تضطرم ولا تنطفىء لأن موضعها معدن الكبريت . وحكى أبو حامد الأندلسي أن بقرب باكويه جبلا أسود في سنامه شقّ طويل ، يخرج منه الماء ويخرج مع ذلك الماء مثل صناج الدانق من النحاس وأكبر أو أصغر ، يحملها الناس إلى الآفاق للتعجّب .