زكريا القزويني

558

آثار البلاد واخبار العباد

وأهلها أهل الخير والصلاح في الدين والعلم والسماحة ، فإن الناس في أكثر ما وراء النهر كأنّهم في دار واحدة ، وما ينزل أحد بأحد إلّا كأنّه نزل بدار نفسه من غريب وبلدي . وهمّة كلّ امرئ منهم على الجود والسماح فيما ملكت يده من غير سابقة معرفة أو توقع مكافأة . حكى الإصطخري انّه نزل منزلا بالصغد ، فرأى دارا ضربت الأوتاد على بابها ، فقالوا : إن ذلك الباب لم يغلق منذ زيادة على مائة سنة ، ولم يمنع من دخوله وأصل ليلا ولا نهارا ! والغالب عليهم بناء الرباطات وعمارة الطرق ، والوقف على سبيل الجهاد وأهل العلم ، وليس بها قرية ولا منهل ولا مفازة إلّا وبها من الرباطات ما يفضل عن نزول من طرقه . وقال : بلغني أن بما وراء النهر أكثر من عشرة آلاف رباط ، في أكثرها إذا نزل الناس به طعام لهم وعلف لدوابّهم إن احتاجوا . وجميع ما وراء النهر ثغر من حدود خوارزم إلى اسبيجاب ، وهناك الترك الغزّية من اسبيجاب إلى فرغانة الترك الخلخية ، ولم يزل ما وراء النهر على هذه الصفة إلى أن ملكها خوارزم شاه محمّد بن تكش سنة ستمائة ، وطرد الخطاة عنها وقتل ملوك ما وراء النهر المعروفين بالخانية ، وكان في كلّ قطر ملك يحفظ جانبه ، فلمّا استولى على جميع النواحي عجز عن ضبطها ، فسلّط عليها عساكره حتى نهبوها وأجلى الناس عنها ، فبقيت تلك الديار التي وصفت بالجنان لحسنها خاوية على عروشها ، ومياهها مندفقة معطلة ، وقد ورد عقيب ذلك عساكر التتر في سنة سبع عشرة وستمائة وخرّبوا بقاياها . والآن بقي بعض ما كان عليها . فسبحان من لا يعتريه التغيّر والزوال ، وكلّ شيء سواه يتغيّر من حال إلى حال ! مدينة النّحاس ويقال لها أيضا مدينة الصفر . لها قصّة عجيبة مخالفة للعادة جدّا ، ولكني رأيت جماعة كتبوها في كتب معدودة كتبتها أيضا ومع ذلك فإنّها مدينة