زكريا القزويني

543

آثار البلاد واخبار العباد

وهذا أمر مشهور عنها لا يكاد يخفى على أحد من تلك البلاد أو على من دخلها ، قال عبد اللّه البطليوسي النحوي يهجوها : أناخت بنا في أرض شنت مريّة * هواجس ظنّ خان والظنّ خوّان رحلنا سوام الحمد عنها لغيرها * فلا ماؤها صاد ولا النّبت سعدان شنقنيرة أرض بالأندلس من أعمال لورقة . خصّها اللّه تعالى بالبركة وقوّة لم توجد في غيرها من الأراضي . وهي ما ذكره الغرناطي الأنصاري أنّها حسنة المنظر والمخبر ، كثيرة الريع طيّبة المرتع ، الحبّة من زرعها تتفرّع إلى ثلاثمائة قصبة ، ومسافة هذه الأرض أربعون ميلا من قرطاجنة إلى لورقة ، يرتفع من المكوك من بذره مائة مكوك . ليست هذه الخاصيّة لشيء من أراضي غيرها . صغد كورة بين بخارى وسمرقند ، إحدى جنان الدنيا ؛ قالوا : جنان الدنيا أربع : صغد سمرقند ، وغوطة دمشق ، وشعب بوّان ، وأبلّة البصرة . أمّا صغد سمرقند فإنّها قرى متّصلة ، خلال الأشجار والبساتين ، من سمرقند إلى قريب من بخارى ، لا يتبيّن القرية حتى يأتيها لا لتحاف الأشجار بها . وهي أطيب أرض اللّه ، كثيرة الأشجار متجاوبة الأطيار غزيرة الأنهار ، وزادت على غيرها من الجنان بلطافة الهواء وعذوبة الماء . وليس بصغد سمرقند مكان إذا علاه الناظر يقع بصره على صحراء غبراء أو جبال خالية غير شجراء . وإنّها على واد يمينا وشمالا ، ومقدارها في المسافة خمسة أيّام تشتبك الخضرة والبساتين والرياض ، وقد حفّت بالأنهار الدائم جريها ، والحياض في صدور رياضها ، وخضرة الأشجار والزروع ممتدّة على حافتي واديها ، من وراء الخضرة من الجوانب المزارع تكتنفها ، ومن وراء المزارع مراعي سوائمها .