زكريا القزويني

536

آثار البلاد واخبار العباد

فمات في الطريق هو وأصحابه عطشا . فلمّا هلك تبّع بن أبي مالك أراد أن يأخذ بثأر جدّه ، فسار نحو الصين ، فلمّا وصل إلى سمرقند وجدها خرابا فأمر بعمارتها وردّها إلى ما كانت وأحسن منها . فلمّا كان زمن الإسكندر وجدها موضعا شريفا فبالغ في عمارتها ، وبنى لها سورا محيطا بها استدارته اثنا عشر فرسخا ، فيها بساتين ومزارع وارحاء ، ولها اثنا عشر بابا من الباب إلى الباب فرسخ ، وعلى أعلى السور آزاج وأبرجة للحرب . وإذا جزت المزارع جزت إلى الربض وفيه أبنية وأسواق . وبها الجامع والقهندز ومسكن السلطان . وفي المدينة الداخلة نهر من رصاص يجري على مسنّاة عالية من حجر ، ويدخل المدينة من باب كشّ ، وأكثر دروبها ودورها فيها الماء الجاري ، ولا تخلو دار من بستان حتى لو صعدت قهندزها لا ترى أبنية المدينة لاستتارها بالبساتين والأشجار . وأمّا داخل سور المدينة الكبيرة ففيه أودية وأنهار وعيون وجبال . وبسمرقند أشياء ظريفة تنقل إلى سائر البلاد : منها الكاغد السمرقندي الذي لا يوجد مثله إلّا بالصين ؛ وحكى صاحب الممالك والمسالك انّه دفع من الصين إلى سمرقند سبي ، وكان فيهم من يعرف صنعة الكاغد ، فاتّخذها ثمّ كثرت حتى صارت متجرا لأهل سمرقند ، فمنها تحمل إلى سائر البلاد . بها جبل قال صاحب تحفة الغرائب : في هذا الجبل غار يتقاطر منه الماء في الصيف ، ينعقد من ذلك الماء الجمد ، وفي الشتاء من غمس يده فيه يحترق . ينسب إليها الإمام الفاضل البارع ركن الدين العميدي أعجوبة الزمان ، انتشر صيته في الآفاق وفاق كلّ مناظر بالطبع السليم والذهن المستقيم . قال أستاذنا أثير الدين المفضل بن عمر الأبهري : ما رأيت مناظرا مثل العميدي في فصاحة الكلام وبلاغة المعاني ، وحسن التقرير وتنقيح البيان ! وحكي أن زين الدين عبد الرحمن الكشّي ، وكان من فحول العلماء ، استدلّ في محفل ، وكان العميدي حاضرا فصبّ عليه من الملازمات حتى بهره فقال الكشّيّ :