زكريا القزويني
524
آثار البلاد واخبار العباد
خلاط مدينة كبيرة مشهورة قصبة بلاد أرمينية ، ذات خيرات واسعة وثمرات يانعة ، بها المياه الغزيرة والأشجار الكثيرة . وأهلها مسلمون ونصارى . وكلام أهلها العجمية والأرمنية والتركية . ذات سور حصين ، قصدها الكرج في زمن الملك الكامل الأوحد ونزلوا عليها يحاصرونها ، وكان خارج المدينة نهر عليه قنطرة ، فأهل خلاط نقضوها وستروها بشيء من الحشيش ، ليقع فيها من يجتاز عليها من الكرج ، وجلسوا تحت القنطرة منتظرين لمن يقع فيها حتى يأخذوه . وكان لملك الكرج ، ويقال له الإيواني ، منجّم فاضل جرّبه مرارا كان ذا حكم صحيح ؛ قال للإيواني : اركب الآن وحارب فإنّك في آخر النهار تكون جالسا على سرير خلاط . فقام وركب وهو سكران ، فأوّل من اجتاز في القنطرة كان الإيواني وقع في القنطرة . اجتمعوا عليه وأخذوه ؛ قال : لا تقتلوني فإني أنا الإيواني ، فحملوه إلى خلاط وأجلسوه على السرير فقال لهم : إن كنتم تخلّصونني فافعلوا سريعا قبل أن يمشي الخبر إلى الكرج ويقيموا مقامي أحدا ، ولكم كلّ ما سألتم . فطلبوا منه فكّ أسارى المسلمين كلّهم ومالا عظيما عمروا به سور خلاط وعاهدوا بالمهادنة سنين كثيرة وخلّصوه . ومن عجائبها بحيرتها التي يجلب منها السمك الطريخ إلى جميع البلاد ؛ قال ابن الكلبي : بحيرة خلاط من عجائب الدنيا ، فإنّها عشرة أشهر لا ترى فيها سمكة ولا ضفدعة ، وشهران في السنة تكثر بها حتى تقبض باليد ، وتحمل إلى سائر البلاد حتى إلى بلاد الهند ؛ قيل : إنّه لطلسم عمله بليناس الحكيم لقباذ الملك ، وأمّا أهل خلاط فالفسق عندهم ظاهر ، وصنّاعها يعملون أقفالا ما في شيء من البلاد مثلها .