زكريا القزويني
511
آثار البلاد واخبار العباد
حكي انّه لمّا جمع هذا الكتاب بحسنه وصحّته أراد أن يسمع منه أحد حتى يروي عنه بعد موته ، فما كان أحد يوافقه أن يسمع منه ذلك ، حتى ذهب إلى شخص يعمل طول نهاره على بقر فقال له : أنا أقرأ هذا الكتاب وأنت تسمعه مني فلعلّه ينفعك بعد ذلك ! وكان الشيخ يقرأ كتاب الصحيح والبقر يعمل والفربري يسمع منه حتى أسمعه جميع الكتاب . فلهذا ترى كلّ من يروي صحيح البخاري تكون روايته عن الفربري . وينسب إليها أبو خالد يزيد بن هارون . كان أصله من بخارى ومقامه بواسط العراق . حكى عاصم بن عليّ أن يزيد بن هارون كان إذا صلّى العشاء لا يزال قائما حتى يصلّي الغداة بذلك الوضوء ، وداوم على ذلك نيفا وأربعين سنة . وحكى أبو نافع ابن بنت يزيد بن هارون قال : كنت عند أحمد بن حنبل ، وكان عنده رجل قال : رأيت يزيد بن هارون فقلت : يا أبا خالد ما فعل اللّه بك ؟ قال : غفر لي وشفعني وعاتبني ! فقلت له : فيم عاتبك ؟ قال : قال لي يا يزيد أتحدث عن جرير بن عثمان ؟ فقلت : يا ربّ ما علمت منه إلّا خيرا ! فقال : إنّه كان يبغض أبا الحسن عليّ بن أبي طالب ، رضي اللّه عنه . وحكى آخر قال : رأيت ابن هارون في المنام فقلت له : هل أتاك منكر ونكير ؟ قال : إي واللّه ! وسألاني : من ربّك وما دينك ومن نبيّك ؟ فقلت : ألمثلي يقال هذا وأنا يزيد بن هارون اعلّم الناس هذا سبعين سنة ؟ فقال : صدقت ، نم نومة العروس ! توفي يزيد بن هارون بواسط سنة ستّ ومائتين عن سبع وثمانين سنة . بذّ كورة بين أرّان وآذربيجان ، كثيرة الضباب قلّما تصحو السماء بها ، منها كان مخرج بابك الخرّمي في أيّام المعتصم باللّه . بها موقف رجل لا يقوم أحد فيه يدعو اللّه تعالى إلّا استجيب له . ومنها يتوقّعون خروج المهدي ، وذكر أن تحتها نهرا عظيما ، إن اغتسل فيه صاحب الحمّى العتيقة ذهبت حمّاه .