زكريا القزويني
505
آثار البلاد واخبار العباد
الأخرى ماء بارد . ذكرهما صاحب تحفة الغرائب وقال : أمّا الحار فلو رميت فيه اللحم ينطبخ ، وأمّا البارد فيصعب شربه لغاية برودته . وبها جبل شلير لا يفارقه الثلج صيفا ولا شتاء ، وهو يرى من أكثر بلاد الأندلس لارتفاعه وشموخه ، وفيه أصناف الفواكه من التفّاح والعنب والتوت والجوز والبندق وغير ذلك ، والبرد به شديد جدّا ؛ قال بعض المغاربة وقد اجتاز بشلير فوجد ألم البرد : يحلّ لنا ترك الصّلاة بأرضكم * وشرب الحميّا وهي شيء محرّم فرارا إلى نار الجحيم ، فإنّها * أخفّ علينا من شلير وأرحم ! إذا هبّت الرّيح الشّمال بأرضكم * فطوبى لعبد في اللّظى يتنعّم أقول ولا الحي على ما أقوله * كما قال قبلي شاعر متقدّم : فإن كنت يوما في جهنّم مدخلي * ففي مثل ذاك اليوم طاب جهنّم ! وبها جبل الكحل . إنّه بقرب مدينة بسطة ؛ قالوا : إذا كان أوّل الشهر أخذ الكحل يخرج من نفس الجبل ، وهو كحل أسود لا يزال كذلك إلى نصف الشهر ، فإذا زاد على النصف نقص الكحل ، ولا يزال الذي خرج يرجع إلى تمام الشهر . وبها نهر ابره ؛ قال أحمد بن عمر العذري صاحب المسالك والممالك الأندلسية : مخرج هذا النهر من عين يقال لها فونت ايبرهي ، ومصبّه في البحر الشامي بناحية طرطوشة ، وامتداده مائتا ميل وعشرة أميال ، يوجد فيه صنف من السمك عجيب يقال له الترحته لا يوجد في غيره البتّة ، وهو سمك أبيض ليس له إلّا شوكة واحدة ؛ كلّ ذلك عن العذري صاحب الممالك والمسالك الأندلسيّة . وبها نهر أنّه . مخرجه من موضع يعرف بفجّ العروس ، ثمّ يغيض بحيث لا يبقى له أثر على وجه الأرض ، ويحرج بقرية من قرى قلعة رباح يقال لها أنّه ، ثمّ يغيض ويجري تحت الأرض ، ثمّ يبدو هكذا مرارا في مواضع شتى إلى أن