زكريا القزويني

483

آثار البلاد واخبار العباد

همذان مدينة مشهورة من مدن الجبال . قيل : بناها همذان بن فلوج بن سام بن نوح ، عليه السلام . ذكر علماء الفرس أنّها كانت أكبر مدينة بأرض الجبال ، وكانت أربعة فراسخ في مثلها فالآن لم تبق على تلك الهيئة ، لكنها مدينة عظيمة لها رقعة واسعة ، وهواء لطيف وماء عذب وتربة طيّبة ، ولم تزل محلّ سرير الملوك . ولا حدّ لرخصها وكثرة الأشجار والفواكه بها . أهلها أعذب الناس كلاما وأحسنهم خلقا وألطفهم طبعا . ومن خصائصها ألّا يكون الإنسان بها حزينا ولو كان ذا مصائب . والغالب على أهلها اللهو والطرب لأن طالعها الثور ، وهو بيت الزهرة ، والغالب على أكثرهم البلاهة ، ولهذا قال قائلهم : لا تلمني على ركاكة عقلي * إن تيقّنت أنّني همذاني ! وحكي أن دارا لمّا تأهّب لمحاربة الإسكندر أحكم عمارة همذان ، وجعل في وسطها حصنا لحرمه وخزانته ، ووكل بها اثني عشر ألف رجل من ثقاته لحفظها متى قصدها قاصد ، وذهب إلى قتال الإسكندر . فلمّا قتل دارا في القتال بعث الإسكندر إلى همذان قائدا اسمه صقلاب في جيش كثيف ، فحاصرها ، فلمّا عجز عنها أخبر الإسكندر بحصانة الموضع وعجزه عنه ، فكتب إليه الإسكندر أن صوّر المدينة بجبالها ومياهها وعيونها وابعث بالصورة إليّ ، وأقم هناك حتى يأتيك أمري . ففعل صقلاب ذلك فأرسلها الإسكندر إلى أستاذه أرسطاطاليس وقال له : دبّر لي فتح هذه المدينة . فأمره أرسطاطاليس أن يحبس مياهها حتى يجتمع منها شيء كثير ثمّ يرسلها إلى المدينة . ففعل صقلاب ذلك كما قال ، فهدم سورها وحيطانها فدخلها صقلاب وسبى ونهب ، وبقيت المدينة تلّا ، وأمّا المدينة الموجودة في زماننا هذا فلا شكّ في أنّها أحسن البلاد وأنزهها وأطيبها ، ولهذا لم تزل محلّ الملوك ، ولكلّ ملك من ملوك الجبال بها قصر يأتيه فصل الربيع والصيف . فإنّها في هذين الفصلين تشبه الجنّة